الرياض مؤتمر الصحة النفسية للجميع الثالث2

الرياض مؤتمر الصحة النفسية للجميع الثالث1

في السابعة صباح الثاني من جمادى2 والأول من مارس صحوت وكان عليّ أن أصلي ركعتين قضاء الصبح وأسارع باللبس وبالإفطار حتى أحضر المحاضرة الأولى بالمؤتمر، وكان مما سرني كثيرا أن عرفت أن للمؤتمر برنامجين متوازيين أغلب الأحيان أحدهما هو المؤتمر باللغة العربية والآخر هو المؤتمر بالإنجليزية، وكنت عندما وصلني برنامج المؤتمر على بريدي الإليكتروني في نسختين ظننت العربية ترجمة للبرنامج الإنجليزي لكنني سرعان ما عرفت أن هناك محاضرات بالعربية وورش عمل بالعربية، مثلما هناك بالإنجليزية وهذا ما لم أشهده في مؤتمر طبنفسي قبل هذا المؤتمر ولا أستثني حتى مؤتمرات اتحاد الأطباء النفسانيين العرب.... ولا داعي لكثير من العجب ففي إحدى الدول العربية أذكر أنني أرسلت ورشة عمل عن العلاج المعرفي السلوكي للوسواس القهري فرفضت لأنها بالعربية ! ... ولا تسألوني عن البلد العربي أيهم كان؟.


عنوان المحاضرة الافتتاحية الأولى كان : "نظرة أولى على انتشار اضطرابات الصحة النفسية في سكان السعودية"... كان العنوان شجاعا في رأيي لما تعلمته من صعوبة إجراء دراسات نفسية على عامة الشعوب في منطقتنا العربية نظرا لتحفظ الأفراد والأسر بشكل عام وتجاه الطب النفسي بشكل خاص، بل وتحفظ المسؤولين عن المؤسسات العامة عادة ورفضهم التعاون مع مثل هذه الأبحاث الكاشفة أو الفاضحة أو التي تعرف الناس بما هم في غنى عن معرفته كما يرون، وليس جديدا الكلام عن الخلاف بين النفسانيين وثقافة مجتمعاتنا ..... جهزت نفسي لأسمع ما أثارتني إمكانية إجرائه في بلد كالسعودية.


وبالفعل عرض البروفسير عبد الله السبيعي نتائج الدراسة التي اتضح أنها أضخم كثيرا مما تخيلت وأنها ما تزال مستمرة وأظهر ما أثبت كثيرا من الانطباعات الموجودة عندي وغيري من الأطباء النفسانيين، فمعدلات انتشار الاضطرابات النفسية خاصة العصابية بين مرضانا ليست مماثلة لما أظهرته الدراسات على المجتمعات الغربية وإن تشابهت المعدلات في الاضطرابات الجسيمة والتي تعلو مساهمة الخلل الكيميائي أو التركيبي الدماغي في تسبيبها مقارنة بالعوامل المسببة الأخرى، بينما تعمل العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية دورا أكبر في الحالات النفسية والعصابية .... الأهم من النتائج كان حجم الجهد والعمل والتعاون بين عدد كبير من المؤسسات والهيئات فضلا عن تعاون الأسر والأفراد والذي فصلت في إيضاحه د. ياسمين التويجري وهي تعرض منهجية البحث وطرق الإحصاء وكيف توزع مساعدو الباحثين في أرجاء المملكة وكيف كان تعاون الأفراد والأسر معهم مخالفا للتوقعات وباعثا للأمل ومؤكدا في نفس الوقت نجاحا -غير مسبوق- لتأثير برامج التوعية الصحية النفسية الموجهة لسكان السعودية...... كان مهما أن أثني على مثل هذه الدراسة التي نتمنى أن تتوسع أكثر وأن يجرى مثلها في كل بلادنا العربية.


المحاضرة الثانية كانت للبروفسير الكندي إدوارد شورتر Edward Shorter الذي كان عنوان محاضرته كمثل الرد على عنوان المؤتمر ! "الصحة النفسية للجميع ؟ أولا علينا أن نجد التشخيص والعلاج الصحيح"  كان عرضا رائعا مشوقا لأستاذ جاوز الثمانين من العمر يصف نفسه بأنه بروفسير في التاريخ مثلما في الطب النفسي، وكان بالأمس حدثنا عن اهتمامه الحالي بدراسة حالة الجامودية (أو التخشب) Catatonia وهي حالة كانت ترتبط في أذهان الأطباء النفسانيين منذ عقدين من الزمان باضطراب الفصام وكان نوع منه يسمى الفصام الجامودي ثم اتضح في أوائل العقدين الأخيرين أنها ربما ترتبط باضطرابات المزاج أكثر من ارتباطها بالفصام كما ترتبط بالحالات العضوية والاضطرابات الاستقلابية أكثر مما كان ينظر لها قديما، تناول البروفيسور إدوارد كثيرا من الأمثلة في تاريخ الطب النفسي تبين أننا ما نزال بعيدين على الوصول إلى تصنيف وتوصيف سليم للحالات النفسية وبعض هذه الأمثلة أعرفه (باعتباري من الشياب في الطب النفسي) مقارنة بشباب كثيرين من الأطباء النفسانيين وبعضها كان جديدا علي أنا لأن البروفيسور يكبرني في السن بثلاث عقود أمده الله بالصحة والعافية....، وضرب كذلك أمثلة عدة على استغلال شركات الدواء وتحايلها بشتى الوسائل لزيادة مبيعاتها من العقاقير....... باختصار -وإن كان مخلا- كانت محاضرته مليئة بالحقائق والخواطر التي تستفز كثيرا من الأفكار والتساؤلات والمراجعات في أذهان الحاضرين من الأطباء النفسانيين.


انتقلنا بعد ذلك إلى استراحة القهوة وكانت المفاجأة الآسرة لي في ذلك اليوم هي معرض الفن التشكيلي الذي كان في الطابق التحتي من مكان انعقاد القسم العربي من المؤتمر، احترت بين الإمساك بفنجان القهوة وبين تصوير اللوحات وصورت أغلبها ورفعته بالفعل على مجانين -ودون استئذان... نظرا لغياب الفنان- وكل اللوحات المعروضة كانت لإناث ولم أتمكن من سؤال د. أحمد الهادي سهوا عن من هن الفنانات؟ هل هن منتميات لجمعية فنية ما؟ .. بالنسبة لي معرض لوحات في السعودية أمر غير متوقع فإذا هو ابتكار ثانٍ لهذا المؤتمر الذي يتكرر للمرة الثالثة، لقد تغيرت السعودية كثيرا .... تجاه أشياء كثيرة منها الرسم ومنها الموقف من الطب النفسي ومنها الموقف من انفتاح المرأة على المجال العام وتواجدها جنبا إلى جنب مع الرجل .... وإذا المرأة السعودية كغيرها من النساء منذ عقد من الزمان أو يزيد تتفوق على الرجل.....


تمنيت أن أتحاور مع أكثر من واحدة من أولئك المبدعات لكن لا يوجد أكثر من توقيع بالاسم على اللوحة أو بطاقة تعريف تحوي الاسم فقط... المهم أني لم أسأل وإنما فقط علقت متسائلا كل الرسامات بنات ؟ ورد من سألته بابتسامة ودعاني للغذاء وأخذني إلى قاعة غذاء خاصة بالمتحدثين بعدما كنت أنوي الغذاء مع عامة الحضور وكلهم زملاء ... وعلى الغذاء نبهت أحمد الهادي إلى أنني لمحت ضيفه الكندي غالبا يتجه إلى الغذاء مع عامة الحضور... ولما كان بروفسير غائبا عن قاعة غذاء المتحدثين فقد شكرني الرجل وترك غذاءه ليحضر الضيف من القسمم الإنجليزي.... وإن هي إلا ثلث ساعة أو أقل وبينما أنهي غذائي أسعدني أن رأيت أ.د رأفت شيقدار من أهل المدينة المنورة وأستاذ الطب النفسي وهو صديق عزيز لم أتمكن من عناقه لأنه أعرب عن مرضه بالبرد الشائع الذي بالكاد يتعافى منه ....


لا أدري لماذا كنت متعجلا في تصويري للوحات حتى أني عندما راجعت ما صورت على المحمول وجدت أني بحاجة لأخذ لقطة أخرى أفضل ... ولذلك عدت إلى القسم العربي بعد انتقالي إلى القسم الإنجليزي من المؤتمر وتأخرت لهذا السبب عن حضور البحث الذي قدمته نائبة من الطالبات عن مجموعة تشارك في الإشراف عليها زميلتي في القسم بطب الزقازيق د. إيمان سليمان والتي تعمل الآن بجامعة الأميرة نوره والتي كانت من أهم ما لاحظت على الطريق من مطار الرياض إلى الفندق، وإيمان واحدة من مستشاري مجانين المهمين رغم أنهم كسالى .... الحقيقة أني وصلت في منتصف البحث عن تقييم البدانة والحمية والنشاط الجسدي وصورة الجسد بين طالبات جامعة الأميرة نوره بنت عبد الرحمن.

.

والحقيقة أن محتوى ومستوى ما سمعت من أبحاث ألقتها طالبات الطب السعوديات من أكثر من جامعة كان مذهلا ومبهجا في آن واحد، مستوى البنات وهن يعرضن الأبحاث وما يظهر من عمق فهمهن لا تقل –إن لم تزد- عن مستوى من تناقش الماجستير في جامعاتنا المصرية، ومعنى هذا أن طفرة في التعليم الجامعي تبعث على التفاؤل بمستقبل عربي وإن كان بالإنجليزية .... في عالم أخشى أنه لن يتكلم غيرها ... ولعل طالبات الطب في دورة انعقاد المؤتمر القادمة يقدمن مساهمة في البرنامج العربي.... حتى يكتمل الفرح والذهول.


كان علي بعد استراحة القهوة الثانية أن ألقي محاضرتي عن التواكب المرضي بين الوسواس القهري والرهاب الاجتماعي وهل هو مجرد تواكب، وهي محاضرة بالإنجليزية عن رسالة دكتوراه أشرفت عليها وكنت قد ألقيتها من قبل في مؤتمر الأردن الأخير لاتحاد الأطباء النفسانيين العرب وكانت ختام اليوم الأول للقسم الإنجليزي للمؤتمر... وللأسف كان يوازيه في القسم العربي محاضرة عن العلاقة بين الوقت المنقضي على الأجهزة الكفية واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة في الأطفال.... كنت أتمنى حضوره ... لكنني ألقيت محاضرتي وأجبت الأسئلة بعدها... ثم بعد انتهاء المحاضرة جلست أنا وإيمان نتحدث عن الأبحاث التي تشاركني فيها... ثم صعدت إلى غرفتي في السادسة مساء لأستعد لحفل المساء في الثامنة.

اضغط لترى صورة أكبر


في غرفتي قمت بالمراجعة الأخيرة لمحاضرتي الرئيسية في اليوم الثاني يوم الخميس وكانت بعنوان تصنيف مقترح لأعراض الوسواس القهري الدينية، في المساء بدأ الحفل بعرض للضيف الكندي لبعض من شرائحه، ثم كانت السهرة سعودية ذكرتني بما رأيته في رشدي المبكر رأي العين ولم أشارك فيه، وإنما اكتفيت بأكل الكبسة واللحم .... هذه المرة حاولت المشاركة فجاءت مشاركتي من الخارج .... لكنني تذكرت زخات من الذكريات الجميلة.... أطرف ما كان في الحفل أني التبست علي الأمور فقد سمعت وأنا مهتم بالتصوير أنهم نادوا اسمي للتكريم وتسليمي درع المؤتمر .... وكنت أراهم قبل العشاء يكرمون اللجنة المنظمة ولا أدري لماذا توقعت أنهم سينادون اسمي وباعتباري من الذين نادوهم ولم يكونوا موجودين وأصريت على صورة مع أحمد الهادي أعلاه وهو يهديني شهادة تقدير لم تكن تحمل اسمي وأنا لم أنتبه إلا بعدما قال لي أحد الزملاء درع حضرتك موجود سنسلمه لك فيما بعد ... وفعلا استلمته في اليوم التالي صباحا قبل محاضرتي. 

سبقت محاضرتي محاضرة للبروفسير الكويتي عثمان الخضر عن التفسير السيكولوجي للعنف المسلح وكان طرحه عن الإرهابيين جديدا ومتميزا وينم عن خبرة طويلة في العمل في هذا المجال، ثم تلتها بعد استراحة قهوة قصيرة جلسة فيها محاضرتي وسبقني الدكتور ياسر الدباغ في محاضرة بعنوان : "نظرة تاريخية ومجتمعية حول العلاج النفسي بالمملكة العربية السعودية ود. ياسر مستشار في التحليل النفسي ! Psychoanalysis هذه كانت مفاجأة أخيرة في هذا المؤتمر ... لم أتوقع أن يتخصص سعوديون في التحليل النفسي ! ... لكنني عرفت من حديثه أنه يمارس العلاج بالتحليل النفسي بالفعل، ... كان علي بعد إلقاء محاضرتي أن أكون جاهزا خلال ساعة للانتقال إلى المطار للسفر إلى القاهرة..... وصعدت إلى المنصة أقدم المحاضرة ...وقدمت أمثلة من الواقع العملي مع المرضى ومن الخبرة التي اكتنزناها من مجانين... ثم أنهيت في موعدي وإن اضطررت للاستعجال في آخر شريحتين... وحقيقة كانت التعليقات والاستفسارات عميقة ومفيدة ومثلجة للصدر، ..... ولولا أني على عجل كان يجب أن أكون لبقيت فترة أطول مع المستفسرين.

بعد ربع ساعة بالضبط كنت جاهزا في استقبال الفندق .... وأنا أستشعر بدايات الإنفلونزا التي لا أدري أمن مصر راحت معي وانتهت فترة الحضانة في الرياض؟ أم من الرياض أخذتها وجاءت معي إلى مصر؟، وفي الطريق إلى المطار رحت أسترجع ما عايشت على مدار يومين دسمين علميا وثقافيا، وشعرت بضرورة الكتابة عن مؤتمر ترك أثرا عميقا في نفسي وأثار أسئلة علمية وأخرى بشأن حال تخصص الطب النفسي ولم أكن أعرف متى سيكون ذلك ممكنا، وفي استراحة الفرسان بالمطار التقيت الدكتور عثمان الخضر مسافرا إلى الكويت وتناولنا غذاء خفيفا معا وتجاذبنا أطراف الحديث عن أحوال أمتنا النازفة من كل جهة وتعاهدنا على استمرار التواصل بعد المؤتمر.... وتركني البروفيسور لأن موعد طائرته كان قبل موعدي بنصف ساعة، .... تسليت قليلا بمطارعة موقعنا مجانين دوت كوم على أحد أجهزة الحاسوب في القاعة حتى سمعت النداء الرحلة فقمت لركوب الطائرة .... وعندما وصلت إلى مصر كانت أعراض البرد قد بدأت في الاشتداد وبقيت أشعر بضرورة الكتابة ولما أستطع، لكنني وبعد أسابيع من العلاج والتعافي وجدت الفرصة أخيرا للكتابة وإن جاءت الأخبار متأخرة أو بايتة كما نقول في مصر.... وإلى لقاء آخر في مؤتمر طبنفسي جديد.

واقرأ أيضًا:
مؤتمر دمشق لأطباء النفس العرب (3) / سارة وأخواتها في المؤتمر، ما شاء الله / مؤتمر حوار الحضارات