توجهات جديدة في الت.م.ا إشارات الاسترجاع (8)
توجهات جديدة في الت.م.ا التنوع والتباين (7)
6) إشارات الاسترجاع Retrieval Cues:
وفقًا لنموذج الت.م.ا القائم على الانطفاء (Bouton, 2004) ونظرية التعلم المثبط تتضمن اضطرابات القلق (Craske et al., 2008) ارتباطًا بين المحفزات المخيفة والعواقب أو التهديدات المكروهة، ويؤدي التعرض الناجح إلى تطوير ارتباطات أمان ثانوية من خلال إقران محفزات الخوف مع عدم وجود نتائج مكروهة، بحيث تتنافس هذه الارتباطات الجديدة مع ارتباطات التهديد الموجودة مسبقًا بدلاً من استبدالها بالكامل، ويعتمد نجاح التعرض على كل من تطوير ارتباطات الأمان (أي التعلم المثبط)، والتثبيط المستمر لارتباطات التهديد القديمة من قبل ارتباطات الأمان الجديدة. وتحدث عودة الخوف (أي الانتكاس) بعد نجاح التعرض إذا أصبحت ارتباطات التهديد أكثر بروزًا من ارتباطات الأمان للمحفز المطفأ.
وهناك عدة عوامل يمكن أن تضعف قدرة ارتباطات الأمان على تثبيط ارتباطات التهديد، العامل الأول هو الزمن فيمكن أن تحدث عودة الخوف بسبب مرور الوقت بعد انطفاء الخوف (الرجوع أو الانتعاش التلقائي Spontaneous Recovery)، والعامل الثاني هو اختلاف السياق أي عند مواجهة محفزات الخوف في سياق مختلف عن سياق الانطفاء (تجدد السياق Contextual Renewal)، والعامل الثالث هو التعرض لحدث مكروه غير متوقع يثير الخوف بعد الانطفاء (استعادة الخوف Reinstatement)، وقد لوحظ ذلك في الدراسات على الحيوان والإنسان. ولأن ذاكرة اكتساب الخوف (أي ارتباطات الخوف) تكون أسرع تعميما بكثير من ذاكرة انطفائه التي لا يتم تعميمها بسهولة، وهو ما يتماشى مع نموذج استرجاع الانطفاء، الذي يفترض أنه –خلافا لذاكرة اكتساب الخوف- فإن ذاكرة ارتباطات الأمان أو اللاخوف (التي ينتظر نجاحها في أن تسترجع بدلا من ذاكرة ارتباطات الخوف) ترتبط إلى حد كبير بسياق التعرض الذي تم فيه الانطفاء، وبالتالي يمكن للتغيير في العوامل السياقية عن سياق الانطفاء أو التعرض (بما في ذلك الوقت، والبيئة المادية، والحالات العاطفية الداخلية) أن يتعارض مع استرداد ارتباطات الأمان.... ولأن سياق الحياة الواقعية التي يخشى من رجوع الخوف فيها هو بالضرورة أكثر اتساعا وتباينا من سياق التعرض الذي يحدث الانقراض فإن نظرية التعلم المثبط تشجع كل ما من شأنه أن يقوي ذاكرة أو ارتباطات الأمان ويعزز بالتالي تفوقها على ذاكرة الخوف، واسترجاع ذاكرة الأمان أي نجاح الت.م.ا بالتعلم المثبط.... وكما يظهر الرسم التوضيحي أدناه فإن التنافس الذي ينتج بين ذاكرة الخوف (م.م = م.غ.م) وذاكرة الأمان (م.م = لا م.غ.م)... يعني أهمية العمل على تقوية ذاكرة الأمان.
تقوية ذاكرة الأمان :
إحدى الطرق لتقوية ذاكرة الأمان هي التنوع والتباين في سياق الانطفاء، وقد عرضناها في المقال السابق، والطريقة الثانية هي استخدام إشارات الاسترجاع Retrieval Cues وهي أشياء أو حالات ترتبط بذاكرة اللاخوف (أو الأمان) أي بذاكرة الانطفاء (م.م = لا م.غ.م) وتساعد الشخص في تذكر الانطفاء في مواقف حياته الواقعية اللاحقة..... أي أنها تعمل ضد استرجاع ذاكرة الخوف (م.م = م.غ.م)... وهناك دراسات متنامية تشير إلى أن بعض المحفزات في سياق الانطفاء تعمل كإشارات لاسترجاع الذاكرة، مما يزيد من احتمالية أن يسترجع المرضى ارتباطًا مثبطًا (مثلا، "مقابض الأبواب ليست ملوثة") أي ذاكرة اللاخوف بدلاً من ذاكرة الخوف في سياقات أخرى بعد حدوث الانطفاء (Blakey et al., 2019).
وكانت فكرة إشارات الاسترجاع هذه قد مهد لها بروكس وباوتون (Brooks & Bouton, 1994) في سلسلة من تجارب تشريط الحيوانات Animal Conditioning Experiments عندما بينا أن عرض جديلة متخذة من سياق الانطفاء يمكن أن يقلل من رجوع الخوف بسبب تجدد السياق، وجدير بالذكر أن الجديلة نفسها عندما عرضت على الفئران بمفردها، لم يكن لها تأثير مثبط أو محفر مشروط، مما يشير إلى وظيفة مختلفة، غير وظيفة المحفز المشروط. واقترح المؤلفان أن تلك الوظيفة هي أنها تعمل كإشارة لاسترجاع ذاكرة الانطفاء وهو ما يساعد في إزالة الغموض عن معنى الم.م المنطفئ عند إعادة الاختبار ، أي أنها إشارات الانطفاء التي تسهل تذكر الانطفاء في سياقات مختلفة، وكشفت بعض الدراسات البشرية أيضًا عن إضعاف أثر الرجوع (عودة الخوف) الناجم عن تجدد سياق الانطفاء من خلال وجود إشارة الانطفاء (Dibbets & Maes, 2011)، ويمكن تعريف إشارة الانطفاء Extinction Cues بأنها إشارة (أو عنصر) مميز يشكل جزءًا من سياق الانطفاء، يمكن عند تقديمه خارج سياق الانقراض، أن يساعد في استعادة ذاكرة الانطفاء (Brooks, et al., 2004).
إكلينيكيا إذن قد تعمل إشارات الاسترجاع على حماية المرضى من الانتكاس عن طريق جعل استرجاع الارتباطات المثبطة أكثر سهولة في سياقات متعددة ومتنوعة، وبهذا المعنى، يمكن أن يعمل الاستخدام الاستراتيجي للإشارات المتعلقة بالانطفاء على تعزيز نتائج العلاج من خلال ملء الفجوة النفسية بين سياق الانطفاء وسياقات ما بعد العلاج "في العالم الحقيقي". أي أن دمج إشارات خارجية معينة مرتبطة بانطفاء الخوف (مثلا ارتداء خاتم المريض أثناء سلسلة من مهام التعرض الناجحة، أو تذكر صوت أذان المسجد القريب من مكتب المعالج) خارج أو بعد العلاج قد يدعم التعلم بالتعرض على المدى الطويل عن طريق تيسير استرجاع الارتباطات المثبطة، أي ذاكرة الانطفاء بدلا من ذاكرة الخوف.
أنواع إشارات الاسترحاع :
إشارات الاسترجاع قد تكون منبهات صوتية أو بصرية أو شمية أو لمسية ...إلخ ويمكن تقسيمها هموما إلى إشارات خارجية مثل الساعة أو الخاتم أو السوار... إلخ وإشارات داخلية مثل تذكر الشخص لمشاعره أو ما تم تعلمه أثناء الانطفاء أو تذكر صورة معينة أو ترديد عبارة معينة مشجعة... إلخ كما يظهر في الجدول التالي المعرب والمعدل بعد (Blakey et al., 2019) :
| إشارات الاسترجاع Retrieval Cues | |
| إشارات استرجاع خارجية | إشارات استرجاع داخلية |
| الملحقات التي يتم ارتداؤها أثناء مهام التعرض الناجحة (مثلا، سوار المعصم أو الساعة أو الخاتم أو السواك) أو كتيبات العلاج، أو عنصر ما من الملابس...إلخ | الإثارة الفسيولوجية (المعتادة أثناء الانطفاء) |
| الملصقات التي تحمل "عبارات رمزية" للتذكير | الحالة النفسية أو الانفعالية (مثل القلق والاشمئزاز أثناء الانطفاء) |
| صورة لمنظر الشارع من شرفة عيادة المعالج، أو للوحة زيتية من العيادة ....إلخ. | التذكر والتصور للصور الذهنية للتعرضات الناجحة السابقة، أو لضوضاء الشارع أثناء الانطفاء |
| استخدام عطر معين، بعد أن استخدم أثناء الانطفاء | تذكر التشبيهات والاستعارات، أو القواعد الفقهية التي تم تعلمها أثناء العلاج لتسهيل الاستعادة العقلية (مثلا، وجع ساعة ولا كل ساعة، استعارة القطار إلخ) |
وبشكل عام فإن الدعم الذي تجده إشارات الاسترجاع الخارجية من نتائج الدراسات السريرية (الإكلينيكية) أقل قوة من ذلك الذي تجده إشارات الاسترجاع الداخلية، فهناك دراسة وجدت للإشارات الخارجية دورا متواضعا (Culver, et al. 2011) بينما أخفقت دراستان في إثبات أي دور لها (Dibbets et al., 2013)و (Laborda et al., 2016) لذلك لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت إشارات الاسترجاع الخارجية يمكن أن تكون فعالة أم لا؟ ولا ما هي أفضل طريقة لاستخدامها لزيادة فعاليتها (Shin & Newman, 2018). في حين أظهرت إشارات الاسترجاع الداخلية دورا واضحا، ففي دراسة نشرت 2006 (Mystkowski, et al., 2006) أظهر المشاركون المصابون برهاب العناكب الذين تم توجيههم لتخيل ما تم تعلمه أثناء تجربة التعرض (أي، إعادة الارتباطات المثبطة عقليًا) أثناء تقييم المتابعة في سياق جديد بعد أسبوع واحد، عائدًا أقل للخوف (بالإبلاغ عن التقييم الذاتي للخوف) عند مواجهة العنكبوت مرة أخرى مقارنةً بالمشاركين الذين لم يتم إعطاؤهم إشارة الاسترجاع التعليمية عند المتابعة، وأظهرت دراسة أخرى على مرضى رهاب طبيب الأسنان نتيجة مشابهة أي دورا واضحا للإعادة العقلية لما تم تعلمه (Elsesser, et al., 2013)، وإن لم تؤكده دراسة أحدث (Laborda et al., 2016).
ولعل هذه الإشارة الاسترجاعية الداخلية أي الإعادة العقلية لسياق الانطفاء Mental Reinstatement of Context هي الأفضل حتى الآن لينصح باستخدامها من المعالجين بالت.م.ا. مثلا ، يمكن للمعالج أن يشجع المرضى الذين ينهون العلاج على التفكير بعناية وحيوية حول ما تم تعلمه أثناء العلاج بالتعرض عند مواجهة المحفزات أو المواقف التي كان يخشى منها سابقًا في المستقبل، لأن تذكر نتائج التعرض الناجحة عن عمد يمنع العودة الجزئية للخوف فضلا عن الانتكاس الكامل.
والحقيقة أن إشارات الاسترجاع الخارجية فضلا عن كون دعمها من الدراسات الإكلينيكية أضعف، تحتاج إلى حذر في استخدامها نظرا لأن استخدامها مبكرًا في العلاج -بينما ينصب التركيز على اكتساب تعلم الانطفاء- يؤثر سلبًا على التعلم إذ تقلل هذه الإشارات من توقع الحدث المكروه (وبالتالي تخفف من آثار خرق التوقعات)، والأخطر من ذلك أنها عرضة دائما لاحتمالية أن تصبح مثبطًا مشروطًا أو إشارة تأمين،.... ويفضل تقديمها في مرحلة منع الانتكاس، ومن المهم أن يتأكد المعالج أنها لا تتحول إلى وسيلة تأمين (أي تذكر بغياب الخطر) بدلا من التذكير بسياق الانطفاء.... لأنها في تلك الحالة تضعف التعلم.
والتمييز بين إشارة الاسترجاع وإشارات التأمين هو تمييز دقيق يجب أن يتم تحديده من خلال التقييم الوظيفي الفردي لكل إشارة وذلك نظرًا لأن نفس المحفز قد يعمل بشكل مختلف بين المرضى (أو في نفس مريض بمرور الوقت)، فمن الأهمية بمكان أن يقوم الطبيب أثناء العلاج من حين لآخر بتقييم العلاقة بين المحفز ومعتقدات المريض حوله وتأثيره على المشاعر والسلوك. فإذا كان المريض يعتقد أن المحفز (أو الإشارة) يساعد في التأمين من التهديد أو منع الضرر فمن المحتمل أن تكون الإشارة وسيلة تأمين لأنها ترتبط بتخفيض القلق، بينما إن لم يكن المريض ينظر إلى المحفز على أنه مرتبط بالتهديد، وإنما يراه بمثابة تذكير ضمني بالارتباط المثبط (أي أنه يعمل على جعل الارتباط المثبط أكثر سهولة في الذاكرة بحيث لا يعاني المريض من القلق في المقام الأول)، فإن هذا المحفز لديه القدرة على تعزيز النتيجة طويلة المدى من خلال العمل كإشارة استرجاع.
المراجع :
1- Bouton, M. E. (2004). Context and behavioral processes in extinction. Learning & Memory, 11(5), 485–494. https://doi.org/10.1101/lm.78804
2- Craske MG, Kircanski K, Zelikowsky M, Mystkowski J, Chowdhury N, Baker A. (2008). Optimizing inhibitory learning during exposure therapy. Behav Res Ther. 2008;46 (1) :5–27.
3- Blakey SM & Abramowitz, JS. (2019). Dropping Safety Aids and Maximizing Retrieval Cues: Two Keys to Optimizing Inhibitory Learning During Exposure Therapy. Cognitive and Behavioral Practice 26 (2019) 166-175
4- Brooks, D. C., & Bouton, M. E. (1994). A retrieval cue for extinction attenuates response recovery (renewal) caused by a return to the conditioning context.Journal of Experimental Psychology: Animal Behavior Processes, 20(4), 366–379.
5- Dibbets P. & Maes J.H.R. (2011). The effect of an extinction cue on ABA-renewal: Does valence matter?. Learning and Motivation 42 (2011) 133–144
6- Brooks, D. C., Vaughn, J. M., Freeman, A. J., & Woods, A. M. (2004). An extinction cue reduces spontaneous recovery of ataxic ethanol tolerance in rats. Psychopharmacology, 176, 256–265.
7- Dibbets P, Moor C, & Voncken MJ (2013). The effect of a retrieval cue on the return of spider fear. Journal of Behavior Therapy and Experim ental Psychiatry, 44, 361–367. 10.1016/jobtep.2013.03.005
8- Laborda MA, Schofield CA, Johnson EM, Schubert JR, George-Denn D, Coles ME, & Miller RR (2016). The extinction and return of fear of public speaking. Behavior Modification, 40(6), 901–921. 10.1177/0145445516645766 [PubMed: 27118054]
9- Shin KE and Newman MG (2018). Using Retrieval Cues to Attenuate Return of Fear in Individuals
With Public Speaking Anxiety. Behav Ther. 2018 March ; 49(2): 212–224. doi:10.1016/j.beth.2017.07.011.
10- Mystkowski, J. L., Craske, M. G., Echiverri, A. M., & Labus, J. S. (2006). Mental reinstatement of context and return of fear in spider-fearful participants. Behavior Research and Therapy, 37, 49-60. http://dx.doi.org/10.1016/j.beth.2005.04.001
ويتبع >>>>>> : توجهات جديدة في الت.م.ا تسمية المشاعر (9)
واقرأ أيضًا:
علاج و.ل.ت.ق علاج الكمالية الإكلينيكية2 / علاج و.ل.ت.ق علاج التردد الوسواسي
