سميح القاسم ‮..‬ بين المقاومة والتعايش

جلس مرة سميح القاسم مع صديقيه،‮ ‬الأديبين الإسرائيليين يورام كانيوك وعاموس كينان،‮ ‬على مقهى "‬كسيت‮" ‬في تل أبيب‮. ‬سألهما فجأة‮: "‬أخبراني،‮ ‬كم عربيًا قتلتما؟‮"‬،‮ ‬تلعثم الأديبان قليلًا حتى قال عاموس كينان‮: "‬أطلقنا النار،‮ ‬ولكني لا أعرف إن كنا أصبنا أناسًا‮"‬،‮ ‬فقال له القاسم‮: "‬طيب‮. ‬أنا لم أطلق النار،‮ ‬وبالتأكيد لم أصب أناسًا،‮ ‬ولكن مع كل هذا،‮ ‬هيا بنا نتحدث عن السلام".‬ هذه الحكاية التي‮ ‬يحكيها الأديب الفلسطيني هشام نفاع في موقع‮ "‬الحزب الشيوعي الإسرائيلي‮"‬،‮ ‬والذي كان القاسم عضوًا به،‮ ‬تخبرنا شيئًا عن عقل الشاعر،‮ ‬عن الالتباس الذي ظل خاضعًا له طول حياته،‮ ‬بين كونه فلسطينيًا،‮ ‬بالأحري‮ "‬شاعر القضية الفلسطينية ‮"‬،‮ ‬وكونه‮ ‬يعيش كمواطن في دولة إسرائيل‮. ‬عن ميله للتذكير بالظلم التاريخي الذي وقع عليه،‮ ‬وميله للصفح عن هذا الظلم‮. ‬

بوصفه درزيًا،‮ ‬كان مفروضًا على سميح القاسم التجند في الجيش الإسرائيلي‮. ‬ولكن صحيفة معاريف الإسرائيلية وقتها،‮ ‬نشرت خبرًا عن‮ "‬الشاب سميح القاسم الذي يبلغ‮ ‬22‮ ‬سنة ورفض التجند في الجيش‮"‬،‮ ‬بل وأرسل خطابًا لرئيس الدولة،‮ ‬يقول فيه إن القادة الدروز لا يمثلون شباب الدروز وأنه لا يجب تجنيد الدروز ليحاربوا ضد إخوانهم العرب،‮ ‬ويهدد أنه في حال حبسه فسيعلن الإضراب عن الطعام‮.‬ كان القاسم أول درزي يفعل هذا،‮ ‬وفيما بعد سيكرر ابنه نفس الفعل وسيرفض التجند في الجيش الإسرائيلي‮. ‬كان هذا متسقًا مع إيمان القاسم المتواصل بـ"القومية العربية‮".‬

عُرف القاسم بين العرب باسم‮ "‬شاعر المقاومة‮". ‬بالإضافة لقصائده الفلسطينية الحماسية،‮ ‬كان أول شاب درزي يرفض التجنيد،‮ ‬وفُصل عام‮ ‬1965‮ ‬من عمله كمدرس بسبب مواقفه السياسية،‮ ‬وفي عام‮ ‬1968‮ ‬حُبس لدى عودته من بلغاريا،‮ ‬بعد عثور السلطات الإسرائيلية على منشورات تتبع‮ "‬منظمة فتح" ‬في حقيبته‮. ‬كما حبس في العام التالي لدى نشر ديوانه‮ "‬ويكون أن يأتي طائر الرعد‮" ‬بتهمة الدعوة للثورة،‮ ‬وصودرت نسخ ديوانه من السوق‮. ‬وفي مايو‮ ‬1978‮ ‬ لاحت نية لمنع قصيدة له كان من المقرر نشرها في مجلة‮ "‬آريئيل‮" ‬الإسرائيلية‮. ‬واحتجاجًا على هذا طلب الشعراء الإسرائيليون،‮ ‬داليا رافيكوبيتش،‮ ‬يهودا عميحاي،‮ ‬ومئير فيزلتير،‮ ‬منع نشر قصائدهم من المجلة أيضًا‮. ‬وفي الفترة التي خدم فيها يوسي ساريد وزيرًا للتعليم‮ ‬1999‮/‬2000‮‬حاول الأخير إدراج بعض من قصائده وقصائد محمود درويش في المناهج التعليمية الإسرائيلية ولكنه قوبل بعاصفة شديدة مما أدى إلى تعطيل القرار‮.

ولكن في نفس الوقت،‮ ‬وبعيدًا عن التوترات بينه وبين دولة إسرائيل،‮ ‬كان القاسم يؤمن بإمكانية السلام بين العرب واليهود في فلسطين،‮ ‬وكان مشاركًا بقوة في الحياة الثقافية الإسرائيلية،‮ ‬تُرجم الكثير من قصائده ودواوينه إلى العبرية،‮ على يد أستاذ الأدب العربي ساسون سوميخ،‮ ‬كما ترجم هو بنفسه بعضًا من قصائد الشاعر الإسرائيلي من أصل عراقي روني سوميك،‮ ‬إلى جانب حضوره المهرجانات الأدبية بجانب شعراء يهود في فلسطين‮. ‬وبوصفه عضوًا بالحزب الشيوعي الإسرائيلي‮ "‬ماكي‮"‬،‮ ‬والداعي لإقامة دولة فلسطينية بجانب إسرائيل،‮ ‬وتفكيك المستوطنات في الضفة الغربية،‮ ‬فقد عُيِّن عضوًا شرفيًا في دورتي الكنيست الثامنة عشر والتاسعة عشر،‮ ‬عامي‮ ‬2009‮ ‬و2013‮ ‬عل  التوالي‮.‬‮ ‬بين هذا الالتباس،‮ ‬بين كونه شاعرًا للمقاومة وكونه مؤمنًا بالسلام،‮ ‬تأرجح القاسم طول حياته‮.

القاسم والهوية الفلسطينية
ولد سميح القاسم عام‮ ‬1939،‮ ‬في مدينة‮ "‬الزرقاء‮" ‬الأردنية،‮ ‬لأب كان يخدم في الفيلق الأردني وتعود جذوره لقرية رامة بالجليل الفلسطيني‮. ‬قبل عام‮ ‬1948‮ ‬عادت العائلة إلى الجليل،‮ ‬حيث عاش سميح في مدينة الناصرة ما تبقى في حياته،‮ ‬ورأس تحرير صحيفة‮ "‬كل العرب ‮" ‬الصادرة هناك‮. ‬حتى مات عام‮ ‬2014‭‬‮ ‬

الكثير من الحزن عبر عنه أصدقاؤه الإسرائيليون بعد إعلان خبر وفاته‮. ‬في هاآرتس كتب أستاذ الأدب إلداد باردو والشاعر روني سومِك مقالًا عنه،‮ ‬ينعيانه فيه،‮ ‬وصفاه بأنه‮ "‬شاعر له عدة هويات،‮ ‬شاعر درزي،‮ ‬عربي،‮ ‬فلسطيني،‮ ‬إسرائيلي،‮ ‬شيوعي،‮ ‬ شامي،‮ ‬من عظماء الشعر العربي الحديث‮"‬،‮ ‬وتساءلا‮: "‬ولكن،‮ ‬يا متحدثي العبرية،‮ ‬ماذا سنأخذ منه،‮ ‬بعد أن ضايقناه في بداية طريقه لأنه رفض التجند في الجيش"؟

الإشارة إلى‮ "‬درزية‮" ‬سميح القاسم،‮ ‬كانت شائعة بين جميع المواقع التي تناولت خبر وفاته بالعبرية،‮ ‬ويبدو أنها شائعة في السياق الإسرائيلي ككل‮. ‬يقول الكاتبان‮: "‬يبدو أنه في الذاكرة الإسرائيلية سيظل‮ ‬[القاسم] شاعرًا درزيًا مقاتلًا،‮ ‬قام بحروبه بواسطة القلم‮. ‬محارب كخيرة ما يمثله التراث الدرزي‮. ‬ابن طائفة محاربة،‮ ‬شجاعة،‮ ‬استطاعت الحفاظ على هويتها وشرفها على طول مئات السنوات في بيئة قاسية‮. ‬إسهامه بالقلم وبالسيف،‮ ‬كان للثقافة المحلية والعالمية،‮ ‬وأيضًا لنبوءة حياة من السلام والعدل،‮ ‬في الحيز الشامي‮".‬

يشير الكاتبان إلى مواقف القاسم‮ "‬المعتدلة‮" ‬في علاقتها باليهود،‮ ‬حيث ترجم بنفسه بعضًا من قصائده للعبرية كما دعا العرب في إحدى مقالاته بالعربية إلى الوقوف حدادًا في ذكرى الهولوكست،‮ ‬ويشيران إلى قصيدته‮ "‬قصيدة الجنود‮"‬،‮ ‬والتي تنتهي بنداء‮ "‬عاش السلام‮" ‬وتأثر فيها القاسم بسفر‮ "‬ملوك‮ ‬أول‮"‬،‮ ‬كما يقولان‮. ‬ويضيفان‮: "‬تحمّل‮ ‬القاسم‮ ‬ضربات مدفعية سواء من الإسرائيليين أو من الجمهور العربي في المنطقة،‮ ‬والذين اعتبروه إسرائيليًا أكثر مما ينبغي ومحبًا للسلام‮". ‬

ينتهي المقال بقصيدة أخذت عنوان‮ "‬قيثارة فلسطين‮"‬،‮ ‬كتبها له الشاعر روني سومِك،‮ ‬والذي سبق للقاسم أن ترجم بعضًا من قصائده للعربية‮. ‬يقول سومِك في القصيدة‮: "‬قيل عنك أنك قيثارة‮ ‬فلسطين‮/ ‬شددتَ‮ ‬خيوط السلك‮/ ‬بدلًا من الأوتار‮/ ‬أردت العزف في زفاف العروس‮/ ‬الهاربة من كوشتها‮./ ‬قلت أنها أرضك‮/ ‬وأنك لن تتوقف قط‮/ ‬عن كتابة قصائد عن مصير القرط‮/ ‬المتأرجح تحت أذنيها‮". ‬
‮
‬أصدقاء إسرائيليون
كان للقاسم أصدقاء بين الأدباء اليهود‮. ‬يحكي ابنه‮ "‬وطن" ‬لمعاريـف‮: "‬وأنا في الخامسة من عمري جاء ليزورنا عاموس كينان،‮ ‬وكانت هذه المرة الأولى التي أسمع فيها العبرية في البيت‮. ‬سألت أبي‮ (‬أية لغة يتكلمونها؟‮) ‬فأجابني‮ (‬العبرية‮. ‬هم أصدقاء يهود‮). ‬فسألته‮ (‬يهود بلا دبابة)؟

بدأت صداقاته بالإسرائيليين منذ وقت مبكر‮. ‬يحكي لهشام نفاع عن صداقته بأدباء مثل عاموس عوز،‮ ‬أ‮. ‬ب‮. ‬يهوشواع،‮ ‬إلكسندر بن،‮ ‬داليا رافيكوفيتش،‮ ‬يهودا عميحاي،‮ ‬وآخرين‮. ‬يحكي القاسم عن العلاقة بين الصداقة بوصفها فعلا "‬سياسيًا"‬،‮ ‬يتم بهدف التقارب‮: "‬في منتصف خمسينيات القرن الماضي،‮ ‬بدأ تلمُّس الطريق بين أدباء يهود وعرب أرادوا إقامة حوار من أجل تقريب الآراء السياسية والتقريب بين القلوب‮. ‬برغم الاختلاف في الآراء،‮ ‬شاركت في أغلب اللقاءات،‮ ‬ولكن ليس فيها جميعًا‮". ‬كما يخص الأديب يورام كانيوك بالكلام‮: "‬لم يكن سهلًا الوصول لمسلمّات تفصيلية مع يورام كانيوك،‮ ‬ولكنه عرض موقفًا واضحًا ضد الحكم العسكري وضد سرقة أراضي السكان العرب،‮ ‬وضد العنصرية،‮ ‬لذا كان من الطبيعي أن تتبلور بيننا علاقات إنسانية وشخصية‮".
‬
يسترجع القاسم موقفًا شخصيًا،‮ ‬وسياسيًا في نفس الوقت،‮ ‬حدث بينه وبين كانيوك،‮ ‬فقد أحبته إحدى الكاتبات التي كان كانيوك قد تعلق بها،‮ ‬ولكنها اختارت القاسم بالتحديد،‮ ‬وفي إحدى جلساتهما المشتركة بمقهى‮ "‬كسيت‮"‬،‮ ‬قال كانيوك للقاسم‮ "‬أعد لي ما أخذته مني‮ "‬،‮ ‬فما كان من الأخير إلا أن رد عليه،‮ ‬في إشارة سياسية واضحة لـ"الأرض‮": " ‬أخي يورام،‮ ‬أعد لي أنت ما أخذته مني،‮ ‬وسأعيد لك ما أخذته منك‮". ‬

أي عربي يهاجمني هو إنسان مشكوك فيه..
قليلًا ما هوجم القاسم عربيًا بسبب إيمانه بالتعايش بين العرب واليهود‮. ‬قوطع ولكن قليلًا ما هوجم‮. ‬فقط في ‬عام‮ ‬2009،‮ ‬نشر الشاعر الفلسطيني الشاب نجوان درويش في صحيفة‮ "‬الأخبار‮" ‬مقالًا بعنوان‮ "‬سميح القاسم‮.. ‬حُمّى الأسْرلة‮"‬،‮ ‬هاجم فيه القاسم لمشاركته في مهرجان للشعر الإسرائيلي تنظمه‮ "‬جمعية هاليكون لرعاية الشعر في إسرائيل". ‬وقتها أجرت صحيفة‮ "‬يديعوت أحرونوت‮" ‬حوارًا قصيرًا مع القاسم رد فيه الأخير بعصبية شديدة‮:‬
‮"‬دعمت وسأواصل دعم الحوار‮. ‬سأكون دائمًا جزءًا حيويًا من الحوار اليهودي العربي والإسرائيلي الفلسطيني من أجل السلام وبهدف وضع حد للاحتلال،‮ ‬للعنصرية ولمعاناة الشعبين على حد سواء‮. ‬هذا طريقي ولن يخيفني مرتزقة السلاح أو الأقلام الذين يسترزقون من مصادر مريبة‮. ‬في كل الشرق الأوسط هناك عناصر لا تريد الوصول للسلام في البلد وفي المنطقة‮".‬

سألته المحاورة،‮ ‬ميراڤ يوديليـفيتش آنذاك‮: "‬هل تشك أن الكاتب مرتزقًا؟" فأجاب‮: "‬أكيد‮. ‬في رأيي هو ضحية لعناصر تهاجمني هنا في إسرائيل‮. ‬أي عربي يهاجمني،‮ ‬سواء كان هنا أو في العالم،‮ ‬هو إنسان مشكوك فيه،‮ ‬عدو لشعبه،‮ ‬كاره للحرية والسلام والتقدم‮. ‬ليس هناك ولم يكن هناك متحدث عن الشعب الفلسطيني يعبر عن نبض الإنسان العربي باستقامة وبصدق أكثر إخلاصًا مني‮. ‬لم أحظ عبثًا بألقاب مثل‮ (‬شاعر الأمة العربية‮)‬،‮ (‬الشاعر المقدس‮)‬،‮ ‬و(سيد الألف بيت‮). ‬مكانتي في الأمة العربية قوية وأي عميل أجنبي،‮ ‬مريب وهجين،‮ ‬لا يمكنه أن يهزني‮".‬

حل الدولتين
بعد‮ ‬وفاته،‮ ‬اختارت صحيفة‮ "‬معاري‮" ‬الإسرائيلية،‮ ‬أن تقارب القاسم من ناحية إنسانية،‮ ‬فتحدثت مع ابنه‮ "‬وطن"‬،‮ ‬ومع ابن عمه‮ "‬نبيه". ‬من هذا الحوار يمكننا معرفة شيء عن رؤية سميح لنفسه،‮ ‬فعلى الرغم من ارتباط اسمه بالقضية الفلسطينية،‮ ‬إلا أنه كان يغضب عندما يصفه أحدهم بـ"الشاعر الفلسطيني"،‮ ‬وكان يرد‮ "‬أنا شاعر جميع الشعوب‮". ‬هذا ما يحكيه نبيه القاسم لمعاريـڤ،‮ ‬ويضيف‮: "‬كانت لديه قصائد إنسانية،‮ ‬ولكن للأسف ففي البلاد لم يتعاملوا مع اللغة العربية ولا مع ثقافتها،‮ ‬والآن يظهر قانون في الكنيست تصبح فيه العربية بموجبه لغة‮ ‬غير رسمية‮. ‬لو مر القانون،‮ ‬فسنصل لنهاية العالم‮". ‬

لا يتجاهل نبيه الشأن الدرزي‮. ‬لديه ادعاءاته ضد إسرائيل من هذه الناحية،‮ ‬وادعاءاته،‮ ‬على نفس طريقة سميح،‮ ‬كانت‮ "‬سياسية‮" ‬هي الأخرى،‮ ‬أي تحاول الوصول لمنطق مشترك بين الفلسطيني والإسرائيلي‮. ‬يقول لمعاريڤ‮: "‬خطؤكم الأكبر هو أنكم تعتقدون أن الدروز ملتزمون تجاه الدولة بشكل تلقائي ‮.. ‬ولكنكم،‮ ‬كما فعلتم مع المتعاونين ومع جيش لبنان الجنوبي،‮ ‬تستغلونهم وترمونهم‮. ‬سميح كتب الكثير عن هذا الموضوع‮".‬

كان القاسم عضوًا في الحزب الشيوعي الإسرائيلي،‮ ‬والذي يؤمن بحل الدولتين لشعبين،‮ ‬وعندما انهارت الشيوعية ظل وفيًا لقيمها‮. ‬وحتى اليوم يوجد في صالون بيته تمثال صغير لـ"لينين‮"‬،‮ ‬بحسب ما تحكي معاريف‮. ‬يقول وطن‮: "‬هاجموه لأنه يؤمن بالتعايش وبدولتين لشعبين‮. ‬المتطرفون قالوا له‮ (‬أنت تُسَمّي شاعر المقاومة‮. ‬ولكن كيف تؤمن بالسلام مع اليهود؟‮)‬

ظل حل‮ "‬الدولة الواحدة ‮" ‬مطروحًا على الدوام،‮ ‬دولة واحدة وديمقراطية يعيش فيها اليهود والعرب بدون تمييز،‮ ‬طُرح منذ أربعينيات القرن الماضي ولم يتوقف طرحه حتى الآن‮. ‬لماذا لم يؤمن به سميح؟ يبدو أن انخراطه في المسار السياسي جعله أكثر ميلًا لأن يكون‮ "‬مقنعا‮" ‬لليهود،‮ ‬لكي يحظى ببعض القبول الذي حُرم منه عربيًا بوصفه‮ "‬مواطنًا إسرائيليًا‮". ‬في حوار إذاعي مع‮ "‬2faceradio" الإسرائيلي،‮ ‬يقول للمحاورة إن اليهود لم يرسموا خريطة بلاده،‮ ‬ولا العرب رسموها،‮ ‬وإنما جلس الإنجليزي سايكس مع الفرنسي بيكو وقررا تقسيم بلاده‮. ‬هكذا لا تعود للصهيونية دور في رسم الخريطة،‮ ‬ولا للتنظيمات الصهيونية المسلحة،‮ ‬ولا للتهجير‮. ‬فقط‮ "‬الأغراب‮" ‬هم من قرروا لنا مصيرنا‮ "‬أنا وأنت". ‬

قصة النكبة هي من أكثر القصص حساسية داخل إسرائيل‮. ‬بسهولة تامة يمكن معارضة الاحتلال عندما يكون المقصود‮ ‬غزة والضفة الغربية،‮ ‬ولكن بداية القصة نفسها،‮ ‬ما حدث في عام‮ ‬1948،‮ ‬هو أمر شبه مسكوت عنه إسرائيليًا‮. ‬رغم هذا،‮ ‬استطاع بعض اليهود والعرب فعلها‮. ‬تحدث المؤرخون الجدد،‮ ‬ومنهم إيلان بابيه وآفي شلايم،‮ ‬بدون حساسية عن هذا‮. ‬هاجر بعض اليهود من إسرائيل احتجاجًا على سياستها‮. ‬أما القاسم فقد اختار الانخراط في السياسة،‮ ‬مثلما فعل من قبله إميل حبيبي‮. ‬عبر عن موقف مقاوم ولكن عبر مسارات السياسة الإسرائيلية‮. ‬و"الإنسانية‮" ‬كانت مدخله إلى هذا،‮ ‬كأنه يحاول نفي الجزء‮ "‬الفلسطيني‮" ‬و"القومي‮" ‬من شعره‮. ‬

الجنود الإسرائيليون يستحقون سماع القصائد
‮ ‬كانت نبرة سميح القاسم نبرة‮ "‬متعقلة‮" ‬حريصة على مخاطبة‮ "‬العدو‮"‬،‮ ‬وإقناعه بعدالة قضيتها عن طريق إقناعه بعدالة قضيته هو،‮ ‬وعدم استثناء شيء من‮ "‬إنسانيتها‮"‬،‮ ‬حتى الجنود الإسرائيليين‮. ‬كانت نبرته في مخاطبة الإسرائيليين نبرة‮ "‬سياسية‮" ‬تمامًا‮. ‬

في حواره مع موقع‮ " ‬2faceradio" يحكي القاسم عن مصادرة إسرائيل للبستان في بيت طفولته‮. ‬ولكنه يبدو أكثر تصالحًا الآن‮. ‬يجمع بين اليهود والعرب في كل جملة،‮ ‬مثلًا،‮ ‬في جملة سريعة‮: "‬لا أسمح لليهود أن يكونوا عنصريين تجاهي ولا للعرب أن يكونوا عنصريين ضد اليهود‮". ‬وعندما تسأله المحاورة عن المقارنة بين الألم اليهودي والألم الفلسطيني يقول‮: "‬لا أحد يحتكر الألم‮. ‬كل واحد له ألمه‮. ‬هناك الكثير من الألم الإنساني‮. ‬الفلسطينيون والإسرائيليون،‮ ‬العرب واليهود،‮ ‬كل واحد له ألمه‮. ‬هناك الكثير من الألم‮.. ‬يعيش هنا خمسة ملايين يهودي ومثلهم من الفلسطينيين‮. ‬لا يمكن رمي اليهود ليعودوا لبلدانهم الأصلية‮. ‬ليس هناك طائرات وسفن كفاية‮. ‬وليس هناك احتمال أيضًا أن نضع الفلسطينيين في أوتوبيس ونقول لهم باي باي‮. ‬ليس هناك أوتوبيسات كفاية‮... ‬هذا حل‮ ‬غير منطقي ولا إنساني".‬

لا يستثني القاسم من إنسانيته الجنود الإسرائيليين‮. ‬يختتم هذه الفقرة بالقول‮: "‬قبل عدة أشهر قرأت قصائد في‮ (مشكانوت شأننيم‮) ‬بالقدس وجاء عدة جنود يهود في ملابسهم الرسمية وجلسوا في الصف الأول والثالث‮.. ‬وصفقوا لي‮. ‬وجاؤوا للحوار معي بعد هذا‮. ‬أي أفكار خطرت على بالي؟‮ (‬هل هي‮)‬ هناك جندي يبغي قتلي،‮ ‬جندي يهودي إسرائيلي،‮ ‬جندي احتلال ينبغي قتله‮! (‬لا) قلت يستحق هؤلاء الجنود أيضاً‮ ‬أن يسمعوا الشعر أيضًا،‮ ‬ليس فقط الموت،‮ ‬حرروهم من مهمة الموت".‬

واقرأ أيضا :
نازك الملائكة والشعر الملحمي/ لوْ أنِّي قلتُ الشعرَ؟!/ أنا والشعر/ خيانة العلم والشعر/ نادين شمس: شاعرة تكتب قصيدتها الأخيرة/ نجيب محفوظ: كيف أحبَّ الله وأحبَّ الموت كدْحًا إليه/ كيف تتقبل النقد دون توتر؟/ النقد، والنقد الذاتي، والنقد الهدام.....!!!/ تعتعة: فضلُ الكهولة، وهل يورّث الوعي النقدي؟!/ ماكانش ساحر..ولا/ ذاكرة المدن القديمة/ بائع الورد/ وصية الشهيد مابعد الأخير/ ثلاثة وجوه/ اكتمال/ قل هو الموت/ تناثر/ هوامش نص/ نجيب محفوظ يعلمنا، القتل العبادة = ثقافة الحرب!!/ كيف استطاع نجيب محفوظ أن يحِب: كل هذا الحب؟!!/ تعتعة سياسية: دورية محفوظ بين ملحمة الحرافيش، وملحمة غزة/ نجيب محفوظ: بداية بلا نهاية/ العودة من المنفى: درويش، ذلك الشعر الآخر/ نازك الملائكة والشعر الملحمي./ تعتعة:الحلم والشعر والواقع والسياسة/ أزمة النمو في شعر عبد الرحمن الأبنودي(1)/ حتى آخر الصلصال/ كوفاد/ حيث في كلّ خطوة قمر مكسور/ محاولة أخيرة لقهر الزمن/ من أين يأتي الورد؟/  ليلة قدر/ رسالة إلى أخي وصحبه في المعتقل/ نصف روح!/ كله يشبهللو...وأنا تبع نجيب محفوظ/ نبوءة نجيب محفوظ للبرادعي وزويل/ إبداعات الخريف عند نجيب محفوظ(3)