عمر سليمان.. السيناريو الأسود
ربما يفسر ترشح عمر سليمان (الصندوق الأسود لمبارك ونظامه) كثيرا من الأحداث والملابسات التي جرت وتجري أثناء الثورة وبعدها, ويؤكد دور هذا الرجل المحوري في كل ما حدث ويحدث, وأنه مدبر أساسي من وراء ستار. والمعادلة التي يتم بموجبها الدفع بعمر سليمان لمنصب الرئاسة واحتشاد المؤسسات السيادية خلفه بقوة هي: الأمن مقابل الثورة, وقد اتضحت اللعبة كاملة الآن فمنذ 28 يناير حين انسحبت قوات الشرطة (بما فيها رجال المرور) بشكل مفاجئ ومريب, واستمر الانفلات الأمني بشكل مقصود ومدبر طوال المرحلة الانتقالية, وجرى ترويع الناس بالبلطجية, وثبت تورط عناصر من الأمن في كثير من الأحداث (آخرها ضابط الأمن الوطني الذي كان يحرض العمال المعتصمين على اقتحام مجلس الشعب وإحراقه), والمبالغة في إظهار التدهور الاقتصادي وتآكل الاحتياطي الأجنبي (على الرغم من استمرار كل القطاعات الاقتصادية في العمل بشكل طبيعي تقريبا باستثناء السياحة).
كل ذلك يعكس استراتيجية الترويع والتجويع التي انتهجتها الأجهزة التي تقف وراء ترشيح عمر سليمان الآن, فقد كان الهدف, ومازال, هو وضع المصريين في حالة خوف وقلق وهلع على حياتهم وممتلكاتهم وأرزاقهم, حتى يكونوا في حالة جاهزية لاستقبال شخص مثل عمر سليمان على اعتبار أنه رجل ذو تركيبة عسكرية ومخابراتية ويقدر على إعادة الأمن للشارع المصري وضبط حالة الانفلات. وعلى الرغم من غموض الرجل وطبيعته الجامدة وافتقاده لأي كاريزما شعبية إلا أن ذلك لا يحول دون قبوله في مثل تلك الأحوال الاستثنائية بل قد تكون تلك الصفات مطلوبة لكي يبدو أمام الناس شخصية جادة وصارمة وقادرة على ضبط الانفلات, فالبسطاء والمخدوعين من الناس قد يرونه رجلا شديدا حازما وقادرا على التعامل مع المؤسسات السيادية لمنع الفوضى وإعادة النظام.
ومعروف أن الإنسان حين يفتقد الشعور بالأمان فإنه لا يفكر في الاحتياجات الأرقى مثل الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية, بل يكتفي بالوصول للأمان, ذلك الاحتياج الذي يقفز فوق كل الاحتياجات في هذه الحالة, وعندها يغمض الناس أعينهم عن حقائق مثل أن عمر سليمان كان هو الذراع الأيمن والعقل المدبر لحسني مبارك, وأنه لم ينجح في أي شيء أوكل إليه قدر نجاحه في حماية مبارك ونظامه طوال هذه السنين, وأنه هو الذي سهل اتفاقية تصدير الغاز لإسرائيل, وأنه شارك في إحكام الحصار على غزة وخنقها لا لشيء إلا لأنه يكره حماس ويرى فيها خطرا على مصر, وأنه يمثل النظام القديم بكل تفاصيله وتشوهاته, وأن عمره قد قارب على الثمانين وليس متوقعا لأي عاقل أن يغير الرجل من قناعاته وطريقة تفكيره وأن يتحول إلى شخص ثوري يتواصل مع الشباب ويواكب إيقاع الحياة السريع ليحقق أهداف الثورة. كل هذه الاعتبارات قد تتوارى حين يقفز الاحتياج للأمن على شاشة وعي الناس ويحتل بؤرة اهتمامهم.
وربما نرى في الأيام القادمة حدوث بعض الاضطرابات المفتعلة –كالعادة– تعطي إيحاءا بمزيد من تدهور الحالة الأمنية وشيوع الفوضى, ويتم استثمار ذلك في تقوية الدوافع لاختيار عمر سليمان رئيسا لكي يواجه تلك الفوضى. وقد يتم توريط بعض الشباب المتدين الذين أحبطوا بسبب استبعاد مرشحهم للرئاسة في بعض الأعمال العنيفة لتكون دليلا على انفلات الوضع الأمني وخطر الدخول فيما يشبه حالة الجزائر بعد استبعاد جبهة الإنقاذ.
وقد رأينا المسرح يتم إعداده لاستقبال عمر سليمان كالتالي:
تم تسهيل حصول الإخوان المسلمين والسلفيين على أغلبية برلمانية, ثم تم تشويه صورة البرلمان من خلال جعله قليل أو عديم الصلاحيات, ثم وقع الإخوان بعد ذلك في فخ الاستحواذ أثناء تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور, وقد أثر هذا كثيرا على الصورة الذهنية لهم لدى عامة المثقفين وخاصتهم وتم شن حملات إعلامية شرسة عليهم أثرت بالتالي على حجم التأييد الشعبي لهم والذي انحدر كثيرا بسبب أخطاء الإخوان التي صدرت عن الاندفاع لتحقيق حلم التمكين, وبهذا تم عزل أكبر قوة معارضة ومنظمة عن التأييد الشعبي لها, ولم يتوقف الأمر عند ذلك بل تم تأجيج فتنة أخرى حين ترشح خيرت الشاطر مما وضع شباب الإخوان في صراع نفسي بين أبو الفتوح الذي يحبونه ويعتقدون أنه الأصلح للرئاسة وبين التزامهم بأوامر القيادة الإخوانية التي تأمرهم بالتصويت لخيرت الشاطر وكثيرين منهم يعلمون أن الشاطر ليس هو الأجدر بهذا المنصب رغم ما يتمتع به من قدرات تنظيمية وحركية وأنه يفتقد القدرة على مخاطبة الجماهير والتأثير فيهم لكونه رجلا عمليا يهتم بالأفكار والخطط والإنجازات أكثر مما يهتم بالبشر.
ثم جرى حرق المرشح السلفي الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل بواسطة مسألة جنسية والدته والتي كان من الممكن إعلانها مبكرا إلا أن المخططون رأوا تأجيلها حتى يندفع المرشح في الدعاية ويبالغ فيها إلى أقصى درجات المبالغة التي تجعله هدفا للتعليقات الساخرة على كل الوسائط الإعلامية بسبب "بوستراته" التي غطت جدران شوارع وميادين مصر ويستدرج للوصول إلى لحظة النشوة بالانتصار وهو يذهب لتقديم أعداد كبيرة من التوكيلات تفوق المطلوب قانونا وسط مظاهرة ضخمة من أنصاره, ثم تخرج ورقة جنسية والدته من الأدراج في اللحظة المناسبة لتطعن في مصداقية الشيخ المرشح كداعية وكرجل قانون.
هكذا تم تشويه صورة الإخوان من خلال استغلال أخطائهم وإيقاعهم في مصيدة الاستحواذ والتكويش والتمكين, وتم إحداث شروخ في الجماعة من خلال إطلاق مرشحيّن ينتسبان لها, وتم تشويه المرشح السلفي ذي الشعبية الجارفة, وربما يتم استبعاد سليم العوا على قاعدة جنسية جده, واستبعاد أيمن نور وخيرت الشاطر على قاعدة الحرمان من الحقوق السياسية بناءا على اعتبارات جنائية, وهكذا يخلو الجو لرجال النظام السابق كي يرتدوا عن الثورة بناءا على معادلة: الأمن مقابل الثورة, ولا عزاء للمغفلين.
واقرأ أيضاً:
قراءة في شخصية أبو الفتوح/ ماذا نحن فاعلون؟/ لقد وقع الإخوان في الفخ/ حكاوي القهاوي (111)/ مرشحو الرئاسة والبيئة