الصورة المزدوجة للرئيس

ازدواجية الصورة وانقسام الشعب:
 بعد حوالي أربعة أشهر من تقلده رئاسة الجمهورية، وبعد أحداث جسام حدثت في مصر في تلك الشهور كان الدكتور مرسي طرفا هاما فيها، نحاول قراءة بعض الجوانب الشخصية للدكتور مرسي (المتصلة بوظيفته كرئيس) والتي تؤثر في قراراته وأفعاله خاصة وأنه حتى الآن يمسك بيده السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية ويتصارع مع السلطة القضائية (أو مع قطاع منها) بشكل مباشر أو غير مباشر، أي أنه بشخصه وشخصيته يؤثر في حياتنا رضينا ذلك أم لم نرض. وأول ملمح في القراءة هو التناقض الواضح بين صورتين للرئيس حيث يصفه مؤيدوه بالرجل الطيب، الزاهد في السلطة، المتوضئ، المصلي، حامل القرآن، "بتاع ربنا"، ويصفه معارضوه بالفرعون الإله. وهذه الإذدواجية في صورة الرئيس يقابلها حاليا حالة استقطاب ثنائية خطيرة في المجتمع المصري حيث انقسم إلى تيار إسلام سياسي يحب مرسي ويؤيده وتيار مدني يكرهه ويعارضه.
 
 الرئيس من الجماعة وإليها:
 وقد دخل الدكتور مرسي سباق رئاسة الجمهورية مرشحا احتياطيا عن حزب الحرية والعدالة ليكون بديلا لخيرت الشاطر في حالة منع الأخير من الترشح، على الرغم من أن شعبيته سواء في الشارع أو داخل الجماعة لا تصل إلي شعبية الشاطر، كما أن ملكاته الشخصية لم تكن هي الأفضل من بين كوادر الجماعة، ولم تكن ترقى إلى ما يتطلبه المنصب الرئاسي من قدرات وإمكانات (حسب قول كثير من المحللين).
 
 وكان قبل دخوله معترك انتخابات الرئاسة يشغل منصب أستاذ دكتور مهندس بقسم علم المواد بجامعة الزقازيق، ورئيس حزب الحرية والعدالة وعضو سابق بمكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين وأحد القيادات السياسية بالجماعة. ونائب سابق بمجلس الشعب المصري دورة 2000 - 2005.
 
 ولم ينجح الرئيس مرسي -حتى كتابة هذه السطور- في التخلص من سيطرة الجماعة على توجهاته وقراراته، ولم ينجح بالتالي في إقناع المصريين بأنه رئيس لهم جميعا، بل اعتبره الكثيرون رئيس لجماعة الإخوان المسلمين أو بالأكثر رئيس للتيار الإسلامي.
 
 ملامح شخصية:
 وهو رجل تنظيمي عملي أكثر من كونه رجل فكر أو رؤية أو حلم أو خيال سياسي أو إبداع، وهو جندي مخلص للجماعة يقوم بالمهام التي يكلف بها بتفان وإخلاص وإنكار شديد للذات (ولذلك تجدهم كثيرا ما يختارونه للمواقع المهمة).
 
 في رأي مؤيديه: يحترم الضوابط والقوانين (في الجماعة وخارجها)، والأمثلة على ذلك: حين أخرج من السجن إبان أحداث الثورة، ظهر على شاشات التليفزيون وأعلن أنه لم يهرب، وطلب من الشرطة أن تأخذه لأقرب سجن لقضاء فترة العقوبة (على الرغم من عدم قناعته باستحقاقه للعقوبة). وبعد الثورة حدثت مشكلة بين ولديه أحمد وعمرو وبين ضابط شرطة (يقال أنه استوقفهما في كمين مروري وتفوه بسب الدين)، وتم تحرير محضر لهما واحتجزا في القسم للعرض على النيابة، وقد صرح هو وقتها:"إن كان ابنيّ قد أخطئا في حق الضابط فليأخذ الضابط حقه بالقانون، وإن كان الضابط قد أخطأ في حقهما فنحن متنازلون عن حقنا". أما في رأي معارضيه فهو يحاول أن يحصن نفسه ضد أحكام القضاء ويحاول أن يضع نفسه وقراراته فوق سلطة القضاء على أنها قرارات سيادية.
 
 شعبيته ليست واسعة خارج نطاق الإخوان المسلمين وليست لديه كاريزما شخصية، ولا يهتم بمهارات وفنون التواصل، إذ ربما يشغله الإنجاز التنظيمي عن رضا البشر وعن العلاقات الإنسانية، أو هو ينشغل بالفكرة عن المشاعر، وهو حين يتكلم لاتشعر أنه ينظر إليك أو إلى أحد بل ينظر في الفراغ، وأنه يتحدث إلى الناس ولا يتحدث معهم . وقد عاش سنوات طويلة من حياته في الظل بعيدا عن الأضواء يمارس أعمالا تنظيمية سرية في جماعة الإخوان، وفجأة وفي وقت قصير وجد نفسه على قمة السلطة في مصر وتحت الأضواء الكاشفة، وقد يفسر هذا بعض الارتباك الذي شهدناه في طريقة حكمه وفي كلامه وتصرفاته وقراراته، إذ هو خرج من السباحة في الترعة الصغيرة إلى السباحة في البحر المفتوح، وخرج من الأفق المحدود إلى السماوات الممتدة بلا نهاية.
 
 لغة الجسد:
 مساحة الجبهة أضيق من مساحة الأنف، ومساحة منطقة الفم أوسع من الإثنين، والفك السفلي عريض والفم متسع. وهذا يعكس سمات عملية مادية أقرب للتنفيذ منها إلى الفكر أو التخطيط أو الإبداع. ويعكس أيضا قوة الحجة اللفظية والتصميم على الرأي، والمثابرة والجلد. ويندر أن تراه مبتسما خاصة في اللقاءات العامة. وفي أوقات النقاش الحاد تكون ملامح الوجه غاضبة وعصبية وحركات الذراعين كثيرة ومتوترة وتعكس غضبا داخليا.
 
 يميل إلى التعبيرات الناقدة وبصوت عال وانفعالات واضحة، وهو شخص جاد وصارم وملامحه أقرب للملامح الريفية، ويعكس وجهه علامات هي مزيج من المعاناة والحزن والمرارة والغضب والتعب والألم التي تجدها في وجوه الكثير من الكادحين والمتعبين من المصريين.
 
 وفي أغلب الأحيان يستخدم طبقات صوت عالية وعريضة تعبر عن غضبه وانتقاده وتأزمه الداخلي ومعاناته الطويلة في الحياة، فقد عاش حياة عائلية فقيرة وخشنة وقاسية وعاش بعد ذلك حياة عامة مهددة بالسجن والتشريد والمتابعة والترقب والترصد من قوى الأمن في نظام مبارك.
 
 يستخدم يديه وذراعيه بكثرة أثناء الحديث، وكأنه يحاول تصريف شحنة القلق والتوتر من خلال حركات الجسد. وأحيانا يفتح ذراعيه في حركة احتضانية استرضائية أبوية أو أخوية كريمة. وعلى العكس فإن راحة يديه تشير لأسفل في كثير من الأوقات وهذا يعكس سمة الرغبة في السيطرة والتحكم. وأحيانا يقرب أطراف أصابع يده من السبابة في إشارة تحديدية وتخصيصية حين يريد الدقة في التعبير. وفي المواقف الضاغطة يستخدم السبابة السلطوية في اليد الواحدة وأحيانا في اليدين للتحذير والتهديد، مع ملامح وجه صارمة، ونظرة عين غاضبة.
 
 خطاباته:
 وفي غالبية خطبه يقترب من الإستمالات العاطفية بقدر ما يبتعد عن الإستمالات العقلانية المنطقية، فخطاباته في أغلبها ارتجالية ومليئة بالعبارات الإنشائية، وبها الكثير من الحشو الذي يمكن الإستغناء عنه، وفقيرة من ناحية الأرقام والإحصائيات الدقيقة. ويرى مؤيدوه أن خطابه بسيطا ويصل إلى طبقات الشعب الفقيرة بسهولة، أما معارضيه فيرون أن خطاباته تخلو من العناصر الثلاثة للخطاب الناجح وهي: المصداقية والجاذبية والسلطة المعنوية، وأنه يخطب لمن يعرف ولاءهم وانتماءاتهم ليصفقوا له عند كل مقطع. وبالنسبة لأي خطاب ناجح لابد وأن يكون له ثلاث عناصر:
 1- بداية: ويجب أن تكون قوية وجذابة ومثيرة لاهتمام السامع حتى يتابع الخطاب
 2- وسط: وفيه يصول ويجول ليؤكد فكرته ويوضحها
 3- نهاية: ويجب أن تلخص المطلوب بشكل جذاب ومحدد وأن يحدث التأثير المطلوب في وعي المتلقي وسلوكه، وفي خطابات مرسي تضيع هذه الخصائص، حيث يصعب تقسيم الخطاب إلى عناصر أو تحديد خريطة منظمة له، بل يغلب عليه عدم الدقة والحماس الشديد، ويأتي معبرا عن الحالة الإنفعالية للرئيس وليس عن الواقع الموضوعي.
  
 وهو يتوجه بخطابه في الأغلب إلى مؤيديه، فيقول "أيها الأحباب"، وهي كلمة خاصة بالخطاب الإخواني، وحين يتذكر أنه الآن رئيس لمصر كلها يستدرك فيقول "أيها الشعب المصري العزيز". ويبدو الإرتباك واضحا في الخطابات على مستوى اللغة اللفظية واللغة غير اللفظية، فهو يقرر أشياء ويعد بأشياء ثم يتراجع عنها المرة تلو الأخرى، كما أن الصوت مرتفع والنبرة غاضبة ومهددة أحيانا، وحركات الجسم تظهر انفعالا واضحا.
 
 وكان يلاحظ خلال الحملة الإنتخابية للدكتور مرسي أن أداءه اللفظي وغير اللفظي يتحسن تدريجيا ربما بفعل تكرار اللقاءات أو بتأثير نوع من التدريب يتلقاه من بعض المستشارين. وحين تولى الرئاسة لوحظ أنه يكثر من إلقاء الخطابات الجماهيرية بشكل ملفت للنظر، وقد بدأ سلسلة خطاباته بعد توليه بخطابين أحدهما في ميدان التحرير والثاني في جامعة القاهرة، وقد حاول أن يبدو في خطاب التحرير ثائرا قريبا من الناس وخرج عن بروتوكولات الرئاسة حين ابتعد عن المنصة واستخدم هتافات وعبارات ثورية وحين فتح جاكتته ليعلن للناس أنه يشعر بالأمان بينهم وأنه لا يلبس قميصا واقيا من الرصاص، وقد أعجبت هذه الطريقة بعض الناس فيما رآها البعض الآخر خروجا عن ضوابط وبروتوكولات ووقار الرئاسة، وأنها نوع من الخطاب الشعبوي والإستعراض الشخصي. أما خطابه في جامعة القاهرة فقد حاول فيه أن يظهر بمظهر رجل الدولة من حيث انضباط الخطاب وتوكيد العبارات والدقة في اختيار الكلمات.
  
 ويلاحظ أن الرئيس في خطاباته بشكل عام يميل إلى الإطالة وإلى التكرار وإلى الدخول في تفصيلات كثيرة يمكن الإستغناء عنها، وهو يمزج بين الخطاب الدعوي والسياسي فتارة يتحدث كرئيس وتارة أخرى يتحدث كخطيب في مسجد قروي أو شعبي. ويميل دائما لاستخدام العبارات الحماسية التقليدية المحفوظة والشعارات العامة، ولذلك كان ينجح في مخاطبة الطبقات الشعبية البسيطة في الريف والأحياء الشعبية، ولكن هذا الأسلوب لم يكن مرضيا لطبقة المثقفين ومجتمع النخبة. وهو في نظر مؤيديه نموذج متواضع وبسيط للرئيس يقترب من كافة الطبقات وخاصة البسيطة والفقيرة والمعدمة، أما في نظر معارضيه فهو لا يتجاوز مستوى عضو في مجلس محلي في قرية.
 
 وهو يحاول أن يحاكي الزعامات التقليدية القديمة في الستينات من حيث ركوب العربة المكشوفة والتلويح للجماهير واستثارة مشاعرها بالعبارات الحماسية والشعارات الثورية (كما حدث في خطاب استاد القاهره)، ويسعى إلى استرضاء الناس بعبارات عائلية عشائرية "أهلي وعشيرتي" "حقوق الأقباط في رقبتي" "حقوق الشهداء في رقبتي"، ولهذا كان منتقدوه يصفون خطابه بأنه خطابا أخلاقيا عائليا عشائريا وليس خطابا سياسيا، وأن أداءه انفعاليا وصوته أعلى مما ينبغي للمقام الرئاسي، وأن الأذن رغم ذلك لا تحتفظ بكلماته كثيرا، ربما لأنها كلمات مفرطة في العادية.
 
 ولغة الكلام لديه -حين يكون هادئا- تبدو فيها الطيبة والأبوية والأخوية والبساطة والتدين والمحافظة والتقليدية والنمطية، وتبدو المرجعية الدينية واضحة في كثير من عباراته "أطيعوني ما أطعت الله فيكم.... "، ولهذا يعكس نموذجه السلطوي مزيجا من السلطة الدينية والسلطة الأبوية (الراعية والناقدة معا) وربما هذا ما يفسر معارضة شباب الثوار له حيث هم قد انتفضوا في ثورة يناير ضد السلطة الأبوية التي كان يمثلها مبارك، ويخشون السلطة الدينية التي تجعل المعارضين خارجين عن نطاق الدين. وتسيطر المعايير والمصطلحات الدينية على خطابه، فمثلا يصف موقفه أمام موقف معارضيه: "الحق أبلج والباطل لجلج"، وقد أثارت هذه الكلمات قلقا لدى المراقبين لخطابات الرئيس والمحللين لها حيث وجدوا أن الرئيس يبتعد عن لغة النزاع السياسي إلى لغة النزاع الديني، وهذا يشكل خطورة في إدارة البلاد حيث يوصم المعارضون بأنهم أهل الباطل.
 
 وكثيرا ما كانت بلاغته اللفظية (الخالية من جماليات اللغة ورقتها) تأخذه بعيدا عن منطقية وموضوعية وتحديدية الخطاب السياسي فمثلا حقوق الأقباط وحقوق الشهداء وحقوق الفقراء وحقوق المرأة في المفهوم السياسي لا تكون ضمانتها في رقبة الرئيس ولكن تكون في تشريعات وإجراءات محددة من خلال أجهزة الدولة ومؤسساتها المستقرة.
  
 وقد انتقده معارضوه بأن خطابه يخلط بين السياسي والديني والإنساني والعاطفي والبلاغي، وهو أيضا يخلط بين المواطنة والعشائرية والقبلية، ولا تحوي خطاباته خططا واضحة أو مشروعات محددة وإنما عناوين ووعود. وهو يعتمد على رسائل الطمأنة والإسترضاء والإحتضان ويدعو إلى التوافق والتصالح واللحمة العامة دون وجود آليات لذلك. ومما كان يزيد من نسبة الأخطاء التي كانت تؤخذ عليه في خطاباته ميله إلى الإرتجال واعتماده على قدرته اللفظية وشحناته العاطفية، ولهذا كان المتربصون به والمراقبون له يستطيعون أن يجدوا ثغرات يهاجمونه منها بسهولة وربما أيضا يجعلونها محلا للسخرية.
 
 وفي أغلب أحاديثه يميل إلى الوعد بتوفير الإحتياجات الحياتية الأساسية للمواطن البسيط، وهذا محمود ومقدر لدى الطبقات المعدمة، وهي كثيرة في مصر، ولكن يغيب عن الخطاب آفاقا حضارية أعلى تتشوق إليها الطبقة المتوسطة والطبقات الأعلى في المجتمع فالناس لا يعيشون فقط على الخبز والبنزين وأنابيب البوتاجاز، ولهذا لم ينجح في إقناع النخبة أو الوصول إليها مما جعل هذه النخبة تثور عليه في كثير من المواقف.
 
 ومما يؤخذ على الدكتور مرسي خطابه في مناسبة انتصار السادس من أكتوبر والذي ألقاه في استاد القاهرة ودخل إلى ساحة الإستاد في عربة مكشوفة وفي مظهر استعراضي مبالغ فيه استفز مناوئيه وأغضب الكثيرين من مؤيديه، وكانت كلماته في هذا الخطاب تخلو من الدقة والموضوعية في الحديث عن حجم الإنجازات في المائة يوم الأولى لحكمه في مجال الأمن والنظافة والطاقة وأشياء أخرى حيث ظهر مبالغا في تقدير نجاحه وبعيدا عن الواقع الذي يشعربه الناس كما بدا منتشيا فرحا أكثر مما تحتمله الظروف التي تمر بها البلاد.
 
 ويؤخذ عليه أيضا خطابه الذي ألقاه في الجموع من أنصاره في ساحة قصر الإتحادية، فقد أخطأ في اختيار المكان حيث كان يعتصم الآلاف من معارضيه في التحرير، وكان المفترض أن يخاطب الجميع من مكان محايد، ولكنه وقع في المحظور وبدا مستقطبا إلى جمهوره الذي احتشد حوله في الإتحادية ونزع عنه حيادية الرئيس وجعله يبدو نصيرا ومؤازرا لأهله وعشيرته في الإتحادية، وبعيدا ومبتعدا عن مناوئيه في التحرير، ولم تفلح كلماته التي ذكر فيها أن جسده في الإتحادية وقلبه في التحرير، لم تفلح تلك الكلمات في محو صفة التحيز والإنتماء لفريق دون فريق.
  
 ومما يؤخذ عليه حديثه في خطاباته عن مؤامرات لا يقدم عليها دليلا (حين ذكر في خطاب الإتحادية أن 5 ، 6 ، 7 ، 3 ، 4 ، أفراد يجتمعون في حارة مزنوقة -على حد قوله- ليدبرون المؤامرات ضد استقرار البلد)، وحديثه عن نتائج تحريات النيابة في أحداث الإتحادية بينما لم تكن التحقيقات قد بدأت، مما جعل معارضيه يشككون في مصداقيته ونزاهته وحياده، وأيضا إعطائه للوعود مع عدم تنفيذها.
  
 وعلى الرغم من تواضعه وبساطته التي عرف بها قبل أن يكون رئيسا، واعتراضه على قيود الحراسة بعد فترة قصيرة من توليه المنصب إلا أننا رأيناه بعد ذلك يتحرك في مواكب حاشدة وحراسات مشددة من مكان لآخر مما كان يشكل ضغطا شديدا على الأماكن التي يذهب إليها نتيجة احتياطات الأمن الهائلة التي تحيط به. وكثيرا ماكان يلقي بخطبه من المساجد، وهذا أمر متوقع منه حيث مرجعيته الدينية تجذبه لبيوت الله ولا عيب في ذلك في نظر مؤيديه من المتدينين، ولكن معارضيه من التيارات المدنية كانوا يتساءلون: لماذا لم نره يزور مصنعا أو جامعة أو مزرعة أو أي مكان انتاجي أو علمي كما يزور المساجد.
  
 قراراته:
 وهو ينطلق في كثير من قراراته من أخبار تصله بشكل ربما مؤكد أو غير مؤكد تفيد بأن ثمة مؤامرات تحاك من فصائل معارضة، ولهذا تأتي القرارات كردود أفعال لأفكار اضطهادية فتحدث آثارا سلبية على حركة الشارع المصري فيضطر إلى التراجع عنها مرة بعد الأخرى.
  
 ومن هذه الناحية يراه أنصاره رجلا طيبا يحفظ كتاب الله ويصلي الفجر وسائر الصلوات، ويرونه موفقا في قراراته ومؤيدا من الله، وعلى العكس يراه معارضوه محدود القدرات الشخصية والإدارية والسياسية، وأنه مندفع ومرتبك في قراراته ولذلك يتراجع عنها مرة بعد الأخرى حين تحدث زلزالا في المجتمع أو في مؤسساته لأنها لم تدرس جيدا، وأنه وضع مصر لأول مرة في تاريخها على حافة الحرب الأهلية حين أصدر إعلانه الدستوري في 21 نوفمبر 2012 م والذي كان يريد أن يحصن به قراراته من الطعن القضائي وأن يحصن مجلس الشورى ويحصن الجمعية التأسيسية من الحل، وهو ما اعتبره المعارضون انقضاضا دكتاتوريا على شرعية مؤسسات الدولة وخاصة القضاء مما أدى إلى خروج مئات الآلاف إلى شوارع مصر وميادينها يرفضون ذلك الإعلان ويرفضون الجمعية التأسيسية ويرفضون الدستور مما اضطر الدكتور مرسي للتراجع عن هذا الإعلان بعد أن سالت دماء المصريين في مواجهة حول قصر الإتحادية بين أنصار مرسي ومعارضيه تحولت لساعات إلى حرب شوارع.
  
 والدكتور مرسي يمارس السياسة بقدر بسيط من الخبرة ربما لايكفي لمواجهة التحديات التي تفرضها الظروف الثورية الصعبة التي تجعل الناس في حالة غليان واستنفار وغضب يشتعل في أي لحظة، ومع هذا كان يفضل طريقة المطرقة في قراراته السياسية وقد نجحت هذه الطريقة في التخلص من سلطة المجلس العسكري حين فاجأ الجميع بقرار إقالة المشير طنطاوي والفريق سامي عنان مما اعتبره الكثيرون، مؤيدون ومعارضون "ضربة معلم" من الرئيس مرسي باغت بها قادة المجلس العسكري وأربك حساباتهم وتخلص من وصايتهم على السلطة، وخلص مصر من حكم العسكر بعد أن دام ذلك الحكم لأكثر من ستين سنة، وأصبح بذلك رئيسا مدنيا منتخبا مكتمل الصلاحيات.
 
 وربما يكون نجاح مرسي في ضربة المطرقة الأولى قد أغراه بضربة المطرقة الثانية وهي الإعلان الدستوري السابق ذكره والذي أراد به التخلص من إزعاج السلطة القضائية له (وربما ترتيبات بعض قياداتها ضده كما ذكر هو) وتحصين قراراته ضد أحكام القضاء، ولكن هذه المطرقة الثانية كادت أن تعصف ليس فقط بكرسي الرئاسة بل بأمن مصر واستقرارها وكادت أن تضع بداية لحرب أهلية طاحنة، علاوة على أنها وضعته في مواجهة خطرة مع المؤسسة القضائية مما سبب له الكثير من الحرج والإرتباك في الداخل والخارج، حيث أن مؤسسة القضاء (مهما أصابها من خلل) تبقى هي علامة الشرعية والعدل في أي مجتمع بشري.
 
 وتبدو الحيرة والإرتباك في فهم مسيرة وقرارات الدكتور محمد مرسي حيث تبدو بعض التناقضات والإندفاعات والحركة في خطوط متباعدة ومتقاطعة، وربما يرجع ذلك إلى كون الدكتور مرسي لديه استحقاق لجماعة الإخوان المسلمين ولديه استحقاقات أخرى لأشخاص ساعدوه من داخل وخارج الجماعة، وأن هؤلاء جميعا يشاركون في رسم الخطوات واتخاذ القرارات فتظهر الصورة مضطربة ومرتبكة وأحيانا متناقضة. وهذا يعطي فرصة لمعارضي الرئيس في التربص به واستغلال تناقضاته وأخطائه للتشهير به وللتدليل على عدم جدارته بالمنصب، ويضيفون إلى ذلك أنه وعد بأشياء كثيرة ولم يف بها، وأنه يقول أشياءا وينفذ أشياءا أخرى. بينما ير مؤيدوه أنه يعمل في إطار مؤسسي تشاوري، وأن رجوعه عن بعض قراراته يعكس مرونة وتفهما للظروف التي تستجد ويؤكد أنه ليس عنيدا كمبارك وأنه ينزل على إرادة الشعب حين تبين له ذلك وأن لديه القدرة والشجاعة على تعديل أو تصحيح قراراته.
 
 ويرى مؤيدوه أن الدكتور مرسي يحمل نوايا طيبة للجميع ويسعى لاستقرار البلاد من خلال إتاحة الفرصة لبناء مؤسسات الدولة، وهو لم يستغل مافي يده من السلطات لإيذاء أحد أو التنكيل بأحد، وأنه رجل طيب ومتسامح وبسيط، وأنه زاهد في السلطة ولم يسع إليها بل هي التي وضعت في رقبته بكل ثقلها وهو يحاول القيام بها ولكن الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد والمؤامرات التي تحاك ضد الثورة المصرية تجعل أي شخص يواجه صعوبات هائلة في إدارة العملية السياسية وسط فرقاء متربصين ومعارضين يتصيدون الأخطاء لإسقاط شرعية الرئيس، كما أنه يتحمل ثقل حساسيات كثيرة تحملها تيارات المعارضة للإخوان المسلمين كتنظيم وكفكر وكأيدولوجية.
 
 وفي النهاية هو بشر يصيب ويخطئ ومازال يحاول الإمساك بدفة الأمور حتى لا تجنح منه سفينة الوطن، وهو طول الوقت تحت ضغط من مناوئين غاية في الشراسة والتحفز، وفي نفس الوقت يتلقى الدعم والمساندة من الجماعة التي خرج من أحضانها وحضانتها، جماعة الإخوان المسلمين، وسنرى في المستقبل القريب هل مرسي يسير على طريق موسى ومحمد (كما يراه أنصاره) أم فرعون (كما يراه معارضوه)؟.
 
واقرأ أيضاً:
قراءة في أول خطاب رئاسي للدكتور مرسي / التقاعس الأمني جريمة وخيانة للوطن / مراحيض الفضاء الإلكتروني / السيد الرئيس... لا تمش في الأرض مرحا