مدونة
الارتهانية!!
ارتهن بالأمر: تقيّدَ به
الأجيال العربية أمضت عصورها رهينة أحداث تأريخية لا يمكنها التحرر من أسرها، ولا زالت تجتر تفاصيلها وتستهلك طاقاتها في النظر المتكرر فيها دون جدوى أو منفعة حضارية، حتى تحول التأريخ إلى داء عضال وطاقة سلبية مدمرة للحاضر والمستقبل، بل أنه ألغى هذين البعدين وأمعن في تضخيم الماضي وهيمنته على الوجود بأكمله.
وبسبب الارتهان فإن العرب يتحركون وكأنهم العربة التي تدور عجلاتها في الوحل ولا قدرة عندها على التقدم خطوة إلى الأمام.
وقد أسهمت في الارتهان المروّع، حركات وأحزاب ومجاميع ذات مسميات متعددة، لأن سلوك الارتهان يحقق لها البقاء والتواصل وفرض السيطرة على الناس، كما أنه يعود بمنافع اقتصادية لأصحاب النفوذ والقدرة على التحكم بسلوك الناس وتحويلهم إلى جموع خانعة تابعة بلا رأي، وإنما مشدودة عاطفيا وانفعاليا إلى الموضوع، وتتلذذ بدور الرهينة والطاعة المطلقة وتنفيذ الأوامر وحسب.
ومع أن الإسلام دين الحرية والكرامة والسعادة الإنسانية، وضد استعباد الإنسان وامتلاكه ومصادرة رأيه وحريته وحقه في الحياة، فإن مناهج الارتهان أخذت تسوّغ للرهينة ضرورات الاستسلام والشلل وعدم التفكير بغير ما تملي عليها لكي يتم إسلامها.
وفي واقعنا لعب منهج الارتهان الدور الأساسي في التدهور الحضاري والتردي الثقافي والأخلاقي، ومنع الناس من التعبير عن طاقاتهم الفكرية والعلمية والثقافية فعمت الأمية والجهل، وكأن الإسلام لا يحث على العلم والمعرفة والوعي المعاصر للزمن الذي يعيش فيه المسلم، حتى صار الناس يتصورون الإسلام مقرون بالفقر والجوع والجهل وسفك الدماء والصراعات الحامية ما بين المسلمين أنفسهم.
ولا يمكن لأمة أن تقوم بدورها وتؤدي رسالتها إذا لم تتخلص من قيود الارتهان التي ابتليت بها.
أمة تحررت من الارتهان الجاهلي وسلطته التي لخصها جعفر بن أبي طالب في كلمته أمام النجاشي ملك الحبشة، وانطلقت في رحاب العلم والفكر والثقافة والحضارة وأسست وجودها السامي النبيل.
وبرغم نكساتها وانكساراتها لكنها بين عصر وعصر تتحرر من الارتهان وتؤكد دورها الحضاري.
ولا يمكن للإرادات أن تؤكد فعلها الثوري إن لم تحقق حالة التحرر من الارتهان الذي يأسر الأمة، ويحجب رؤيتها ويغلق دروبها ويضع الحواجز في مساراتها.
فالثورة أن تتخلص الشعوب والأمم من قيود الارتهان، وتتحرر عقولها ونفوسها من نمطية الضياع والتداعي والانحباس في بقعة تاريخية لا تبارحها.
فالتأريخ نتعلم منه ولا نرتهن به، والتأريخ يمنحنا الدروس والعبر ولا يضعنا في زنزانة القنوط.
فهل ستحررنا الأجيال العربية المعاصرة من الارتهان، وهل ستتحرر الأمة من دور الرهينة، أم أننا سنزداد ارتهانا وأسرا؟!
وما يحصل في واقعنا منذ عقود وحتى اليوم يمكن تفسيره على أنه سلوك ارتهاني، أي أن الرهينة تؤدي ما يأمرها به الراهن لها، أو القابض على مصيرها
فهل سيتواصل سلوك الرهائن الفاعل في مجتمعاتنا؟!!
23\8\2011
واقرأ أيضاً:
سلوك الارتهان!! / مَن عطّل عقلنا؟!! / النخب الرهينة!! / ثؤرات وثورات؟!!