مدونة

الإنسان العربي المعاصر‏..‏ ولغتنا العربية

أتألم مكررا حين يعاودني الشك في أن الإنسان العربي المعاصر هو صاحب هذه اللغة الجميلة المسماة "اللغة العربية"‏.‏ إن ما وصل إليه الإنسان العربي حاليا يفرض علينا أن نعيد النظر في مدى انتمائه إلى هذه اللغة‏،‏ ناهيك عن مدى جدارته بحمل مسئولياتها‏،‏ ومن ثم التصدي لتطويرها دون أو بدل نفسه‏!!.‏

اللغة كيان وجودي بيولوجي غائر‏،‏ وهي غير الكلام وإن ظهر بعضها من خلاله‏،‏ هي نسيج الثقافة الحالية بقدر ما أنها تعلن جذور الثقافة الممتدة في التاريخ‏.‏
في فترات التحول الحرجة -تطورا أو انحلالا- تتعرض أي لغة إلى خلل مؤقت قد يدوم إذا لم يحتمل أصحابها مسئوليته‏،‏ إذ يستوعبون دلالته‏.‏

الإنسان العربي المعاصر‏،‏ وصورته‏،‏ يعلنان حالا خطيرة من السلبية والخمول والجمود والتبعية في حين تعلن لغته الأصيلة أنه مشروع قادر واعد‏.‏ من نصدق‏،‏ ومن نكذب؟ من نحن؟ هل نحن كما صرنا إليه حقيقة وتشويها؟ أم نحن ما تقوله لغتنا عنا إذ تشير إلى أصل شامخ ذي إبداع متجدد‏،‏ ومرونة رحبة‏،‏ وطبيعة سخية‏،‏ وحوار خلاق؟
هذا التباعد بين الإنسان العربي الحالي ولغته الأصيلة جعلها عبئا عليه‏،‏ فراح يتعامل معها كجسم غريب ناشز‏،‏ أو في أحسن الأحوال‏.‏ كأثر تاريخي يوهم بفخر زائف‏.‏ ترتب على كل هذا أن تصدى للمسألة فريقان على طرفي نقيض‏:‏ أحدهما راح يندب حظها‏،‏ ويرثي مالها‏،‏ ثم يتمادى في تثبيت مواقعها في سجون معاجمها‏،‏ وكهوف نحوها‏،‏ أما الآخر فقد انصرف هربا منها وهو يتخلى عنها سرا أو علانية‏،‏ إهمالا أو تشويها‏،‏ حتى ظهرت تلك البثور المتقيحة على وجهها‏:‏ إما من لغات أخرى أو من لا لغة أصلا‏.

لعل ما آلت إليه حال لغتنا هكذا ليس إلا إعلانا عما آل إليه حالنا كله في أكثر من مجال‏،‏ هذا الرطان المتقيح يعلن فيما يعلن عن احتمال رطان اقتصادي ورطان اجتماعي ورطان سياسي بشكل أو بآخر‏.‏
ثم يخرج علينا مجتهد متألم ليشارك في مواجهة الموقف بما لا يمكن إنكار حسن نيته فيه‏،‏ فيزعم أن الحل هو في أن نخفف من قيودها‏،‏ وأن نحرر نحوها‏،‏ وأن نجدد قديمها‏..‏ الخ‏،‏ الفكرة واردة وجيدة‏،‏ فاللغة كائن حي طول الوقت‏،‏ وأي وصاية عمياء عليها لا تؤدي إلا إلى تصنيمها حتى التشويه والجمود فالتحلل‏.‏ لكن التطور المبدع لا يأتي فقط من الخارج إلى الداخل‏.‏ فخشيت أن تكون المسألة استسهالا‏.‏ لا مسئولية مبدعة متحدية‏.‏

لن تنصلح لغتنا بتحسين شكلها أو بتخفيف قواعدها‏.‏ إن ما آل إليه حال لغتنا إنما يعلن ما نحن فيه بشكل أو بآخر
حين يكون لحياتنا معني‏،‏ ولوجودنا هدف‏،‏ ولجماعتنا شمل‏،‏ سوف نكتشف كيف أن لغتنا أصبحت سهلة هادفة متطورة متجاوزة حتى ما وصلت به إلينا من قدرات وجمال‏.‏ يسري هذا على الفصحى مثلما يسري على العامية التي هي لغة شفاهية فائقة الجمال كاملة المواصفات أيضا‏.‏

إن الله لا يغير ما بقوم -بما في ذلك لغتهم- حتى يغيروا ما بأنفسهم‏.‏ إن استعادة حيوية وإبداع وفاعلية ومرونة لغة ما هي نتاج استعادة أهل هذه اللغة لكل ذلك ممارسة موضوعية ناقدة هادفة مبدعة‏،‏ أما تلك الإسعافات المتعجلة الضجرة فهي تأجيل للمواجهة‏،‏ ناهيك عن احتمال التشويه‏،‏ والرقص على السلم‏،‏ والتخلي عن الهوية‏.‏
الأهرام: 9/8/2004

اقرأ أيضا:
ست الناس.. والدستور.. والمواطنة!! / تعتعة سياسية: استقالة وزير / تعتعة سياسية: ثقافة السلام وثقافة الحياة!!! / .... تشربها مادامت إنت ماليها !!!!(11)