أيها المبتلى بالوهم : الموهومون
تتسأل وأنت تقرأ في هذا العنوان من هم هؤلاء الموهومين؟ ومن ذاك المبتلى بالوهم؟ ورغم اختصاصي في العلاج النفسي، فما قصدت بهذا العنوان المرضى الذين يعانون من التوهم، بل قصدت الموهومين وهم أصحاء بحسب معايير الصحة النفسية ومعايير الاضطرابات النفسية. الموهوبون هنا من قد قادتهم معرفتهم وتأسيسهم المعرفي لتقبل الوهم، وتبنيه، بل ونشره بين الناس على أنه الوصفة النهائية، والحقيقة الخفية، والأسرار الوفية عن النفس البشرية، ومفاتيح سعادتها، وأساليب تضخيم قوتها، ووسائل رفع قدرها وقدرتها، فيا قارئ السطور تروى واسمع، ثم انظر بعين الباحث عن الحقيقة، والمتجرد لفهم الحق، ومن يوازن عقله وعاطفته، لتكون أحكامه دقيقة، وبصيرته ثاقبة، وأخلاقه أنيقة لتقبل بعض التوجيهات المؤسسة على الفهم العلمي النفسي القويم.
(١) إن النفس أعمق من القشور التي يدعي البعض أنها تفسرها، وتعطيك مداخلها، وتخرج منها أعظم ما فيها، ولو نظرت نظرة الواعي لعدد علماء النفس والمناهج النفسية العلمية، ومختلف تفسيرات علم النفس، لاحترت لكثرة العلماء والباحثين في هذا العلم، والذي طرح عشرات النماذج المفسرة للطبيعة البشرية، ولسلوك الإنسان، من لحظة ما قبل حدوث السلوك حتى السلوك وتطوره. فهذه النفس قلعة حصينة، وقف كل عالم على أحد مشارفها ووصفها، لكنه حقيقةً ما وصف إلا جزءاً من مدخلها أو مخرجها أو شرفتها، لدرجة أنك تجد هؤلاء العلماء في مجموع ما قالوا قد وصف كل منهم الجانب الذي رآه وكان مقنعاً، ثم تقرأ وصف عالم آخر فتقتنع بهذا الجديد، ثم عندما تتعمق في البحث والدراسة في هذا العلم، ترى صورة معظم تلك القلعة مكتملة عندما تربط كلام العلماء النفسانيين سوياً، فكل منهم درس وبحث وفسر جانباً، وللدارس المتعمق اكتملت معظم الصورة حين فهم وزاوج بين آراء الجميع وجعلها خطوطاً يشبك بينها ليرسم لوحة لمعظم ما في النفس، وأقول معظم لأن حقيقة المشهد للنفس لم تكتمل بعد، وذلك لتعقيدها وصعوبة التيقن بحثياً من كل مكوناتها ومكنوناتها.
(٢) وبعد كل ذلك يطل بعض الواهمين علينا كأنهم قد عرفوا أسرار النفس، فيوهمك بأنه يعطيك وصفة النفس النهائية من خلال نموذج يحاول أن يفسر به السلوك بشكل يوحي به لغير المتخصصين بأنه شديد العمق، ويراه المتخصصون بعلم النفس وفروعه سطحياً ومسطحاً. ورغم أن بعض المعلومات ذات بدهية لبعض الناس، لكن قد يناسبهم هذا لكونه الأسلوب لتطابقه مع ما يناسب بديهيتهم، وفي بعض الأحيان يرتب لهم الكلمات التي أرادوا من خلالها وصف بعض سلوكهم، لكنها كانت مبعثرة -أي الكلمات - في معظمها، فنظم لهم هذا النموذج المزعوم بعضها، فظنوا أنهم وجدوا "السر" وفتحوا طاقة الأسرار.
(٣) كون أن شيئاً علمت عنه وافق بديهياتك لا يعني بأنه صحيح، فقد يكون موافقاً لموروثات ثقافية خاطئة، مثل موروثات قصص الغيبيات والعالم الآخر، والتي في غالبها تكهنات لا يصح فيها رأي أكثر الناس رغم قناعتهم بها وبعمق، أو من مثل ما جاء في بعض قوانين الحياة التي وضعها هذا النموذج، والتي لا تعدو عن كونها مغالطات منطقية.
(٤) العلم أوسع من نموذج صغير ليفسر ظاهرة كبرى، فإن كنت متخصصاً في أي اختصاص، فستكون قد تعلمت بأن الحالة الواحدة لها عشرات الافتراضات، والنماذج والنظريات التي تفسرها، وهنالك من بحث في إثباتها أو نفيها، وكلها تقوم على مبادئ البحث العلمي، فأين الأبحاث العلمية الخاصة ببعض ما يقوله مدربوا "التنمية البشرية" حول النماذج التي يقولون أنها نفسية؟ وإن كان بعضهم يقول أنه أخذ ذلك من النظريات النفسية فقد أصبح ذلك من علم النفس، فلماذا يصرون على أنه من "التنمية البشرية".
(٥) ها نحن معشر النفسانيين نلحق في محاضراتنا نظريات اجتماعية ونوثق ذلك بأنه مرجع من علم الاجتماع، فيا ترى بائعو الوهم أين توثيقهم؟ ولماذا لا نرى لهم أبحاثا علمية تجريبية وموضوعية ؟ ولماذا لا نرى أسس العلم في تدريباتهم بل هي فقط نفس النماذج المعدودة الرثة، والتي يعاد التدريب عليها نفسها نفسها مئات المرات بمئات الأسماء التجارية المختلفة مدعين في كل مرة أنها وصفة الحياة المجربة لحل المشكلات النفسية والاجتماعية والزواجية والتربوية والدراسية والاقتصادية والتنموية.....
(٦) عندما كثر الباحثون عن السعادة، كثر بائعو الوهم، ومع انخفاض ثقافة هؤلاء الباحثين، زادت سخافات البائعين، كن سعيداً في أسبوع، اصنع حياتك في ثلاثة أيام، سخرنا في طفولتنا من كتاب "تعلم الإنجليزية في أسبوع" لخلو ذلك من المنطق بسبب الاستخفاف بالقراء وعدم معقولية المدة الزمنية، فلماذا لا نسخر ممن يريد تعليم الحياه السعيدة وتغيير سلوك إنسان في ثلاثة أيام؟
(٧) صاحب الحاجة....يتعلق بقشة، وصاحب الخدعة يبيع القشة، وقيل قديماً "القشة التي قصمت ظهر البعير" فما تعلق به صاحب الحاجة قد يقصم ظهره، حين يكون بائع الأوهام ملجئه، فمعظم الباحثين عن السعادة أصبحوا كمن يسأل أخصائي في الميكانيكا أن يقوم بعمل عملية جراحية للقلب لطفل مريض، وإلا فلماذا لا يتخصص في بيع الوهم إلا خريجو تخصصات غير الاختصاص النفسي، وإن كان بائع الوهم قد تخصص في علم النفس فستجده غير متمكن من العلم، فلاذ للفلسفة فيه.
(٨) من إشكاليات اتباع باعة الوهم المردود النفسي السلبي على المتلقي، ورغم مستوى التحفيز في دوراتهم وكلامهم، لكن غالباً ما يواجه المتدرب نوبات إحباط قوية تزيد بدرجتها عما قبل التدريب، إضافة لانخفاض تقدير الذات والشعور بالتقصير وعدم الجدوى، كل ذلك بسبب المبالغات التي تقال في التدريب، والمثاليات والتوقعات غير المناسبة لواقع البشر.
(٩) يقولون لك / فكر كما تريد لتحصل على ما تريد.
وأقول لك : تفكير بلا فعل منظم عبارة عن أحلام يقظة، وحتى لو وضعت خطة وفعلت، يبقى محيطٌ من الواقع حولك بما يحويه من أناس وحقائق ومعيقات، فأنت لا تحكم الواقع ولا تتحكم فيه، أنت في الحقيقة تحاول أن تحسن واقعك ضمن المتاح إضافة للصبر عليه واقتناص المناسب من الفرص المتاحة وتوظيف الممكن.
(١٠) يقولون لك / أنت ملك نفسك.
وأقول لك : أنت ضمن منظومة اجتماعية تشكل مرجعاً هاماً لقبولك فيها وتقبلك لمعاييرها، تحاول التغيير الأفضل، مع فهم المحيط ومراعاة المنطق العام.
(١١) يقولون لك / أنت تصنع قدرك.
وأقول لك: أنت تختار، وقدر الله يمضي مهما كان اختيارك، وأنت لم تختر مولدك وأسرتك، لكنك اخترت على قدر ما أعطاك الله، إذاً إذا كنت مختاراً بالمطلق فأرني كيف ستختار أولادك! أوليسوا قدراً أيضاً.
(١٢) يقولون لك / أطلق العملاق فيك.
وأقول لك: أطلق عملاق الوهم وتضخيم النفس وقدراتها من عقلك، فالنفس لها غاية من خلقها، وتفهم ذلك من ديننا الحنيف، فلماذا تراها تحمل ما لا يناسب غايتها؟ ولماذا تظن أنك يجب أن تكون عملاقاً، ومشهوراً، وقوياً، ومتمكناً؟
إن ذلك غالب ذلك ينافي طبيعتك النفسية التي تتأرجح حقيقة بين القوة والضعف، فبدل تركيزك فقط على تضخيم نفسك، تعلم مواقع ضعفك لتصبح قادراً على التعامل معها كإنسان يشعر ويحس، وليس كرجلٍ آلي من فولاذ بارد، فأطلق الإنسان فيك، فلا حاجة للعمالقة الذين يعيشون فقط في خرافات الأساطير.
(١٣)يقولون لك / اجذب ما تريد.
وأقول لك : أنت الذي تنجذب للأشياء لأنك حين تريدها تصبح هدفاً لك، فتغدو في حيز انتباهك واهتمامك وأولوياتك، فتشغل فكرك مما يدفعك لتخطط وتسعى، فيرتفع احتمال وصولك إليها أنت، أما هي فلا تصل لك ولا تنجذب إليك.
(١٤) يقولون لك / قصص النجاح.
وأقول لك: ما بال قصص النجاح تتحدث عندهم عن تحقيق مكاسب مادية؟ فهل العائد المادي هو مقياس النجاح والعملاق الذي في داخلك كما يزعمون؟ أين قصص شفاء مرضى دامهم يقولون أن ما يفعلوه علاج؟ وأين قصص الأسرة المتحابة دامهم يقولون أنه تربية ؟
قصة نجاح الإنسان فينا غير محصورة بالمال والاغراض والشركات، وهذا احدهم وهو (ديل كرنيجي ) بعد كل كتب القوة والسعادة مات منتحراً، فلماذا لم ينفعه ما علم الناس عليه؟ ام تراها مثاليات وافتراضات وتوقعات بعيدةً كل البعد عن حقيقة حياة البشر، وطبيعة النفس البشرية التي *وصفوها كما يريدون لكنها تبقى كما هي في جوهرها*، والوصفة السحرية التي يدعونها قد تنقلب عليها، فكم ممن حضَّر ترياقاً، ولكن لما كان غير متخصصٍ في صناعة الترياق، أنتج سماً من حيث لا يدري، قالوا: أن كنت لا تدري فتلك مصيبة، وان كنت تدري فالمصيبة أعظم.
واقرأ أيضأً:
العبث بالعقل: الحلقة12 / صناعة الهدر / شهر رمضان والعادات السلوكية3 / نحمل في داخلنا: (١) الحاجة إلى الانتماء