مدونة

الحُلم الوطني

الوطن كائن حي له تطلعاته وأحلامه المعبّرة عن الإنسان الذي يحيا فيه، ولا يمكن لوطن أن يكون ويتقدم من غير حلم حضاري متوهج ومنطلق إلى آفاق الصيرورة المطلقة، وحلم الوطن حصيلة أحلام أبنائه المتفاعلة بإيجابية وإصرار على التخلق والانطلاق. وعندما تغيب الأحلام الجماهيرية يضعف الوطن ويتلاشى. ولكي تسحق الوطن والإنسان عليك أن تقتل الحلم الوطني وتصادره.
 
والأوطان القوية المتقدمة مصابة بوسوسة إدامة روح وحيوية الحلم الوطني, وتجدده ومسابقته للزمان وانتصاره على قيود المكان، فترى الحلم الوطني عند بعضها قد تخطى حدود البلاد وسرى في أعماق الإنسان في أرجاء الدنيا. وأصبحت بعض الأوطان تقرن قوتها وتقدمها بتوهج حلمها وتوقده الدائم, وإن خبا هذا الحلم فأنها تكون في حالة إنذار وتأهب, وجد واجتهاد للبحث عن أسباب وعوامل يقظته وتفتحه الحضاري. وبما أن حلمها كبير ومتجدد, فأن قدراتها على التغلغل والسيطرة على الإنسان والمكان في الأرض متواصل وفعال, ولا يمكنها أن تسمح لطاقات حلمها أن تذوي وتغيب.
 
بينما في مجتمعاتنا المتعثرة بكل شيء, يغيب الحلم الوطني تماما وينتفي وجوده, ولا تجد غير التفاعلات الضيقة الأفق, والمرهونة بطاقات وقدرات الوصول إلى السلطة والجلوس على الكرسي, والتعبير عن سلوكيات الأمّارة بالسوء والبغضاء.
إن غياب الحلم الوطني يؤدي إلى تداعيات حضارية, ونكبات اجتماعية تدمر الأجيال, وتجردها من فرصة المشاركة في صناعة الحياة الأفضل.
 
وجميع المجتمعات التي أشرقت وأثرت في الحياة, سعت وراء تحقيق حلمها الوطني, الذي عبّر عنه قادتها ورسخوه في أذهان الجماهير. وذلك واضح في الثورة الصينية والأمريكية وفي مسيرة المجتمعات المتقدمة, التي انطلقت في مشوار إنجاز مشروع حلمها الوطني, الذي وجدت فيه قوتها وقدرتها على الوصول إلى تفتح رسالتها الحضارية.
 
ولا يمكن لمجتمعاتنا أن تكون وتتقدم وتعاصر, من دون رؤية حضارية واضحة معبّرة عن الحلم الوطني لكل مجتمع. فالثورات الجديدة والديمقراطيات المتحركة في المجتمع, لا تستطيع أن تصل إلى مستوى أفضل من الواقع الذي ثارت عليه, إذا أغفلت الحلم الوطني, وعجزت عن تغذية الأجيال بمداد الصيرورة الإنسانية الحضارية المتفقة وما في المجتمع من طاقات وإرادات صيرورة ونماء أكبر. فما هو حلمنا الوطني؟
  
واقرأ أيضاً:
الكلمة والسلوك / الأزموية / السلوك والسلوك